مدن لها تاريخ - الصفحة 2 - مملكتي العربية
  التسجيل   التعليمـــات   التقويم   اجعل كافة الأقسام مقروءة


مملكتي العربية الكبرى منتدى كل ما يتعلق بالمنطقة العربيه -دول - مناطق - مدن - تاريخ -جغرافيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
 رقم المشاركة : ( 11 )
طائر مملكتى
رقم العضوية : 7931
تاريخ التسجيل : Nov 2007
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 3,367
عدد النقاط : 10

الطائر الحائر غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 04-01-2008 - 09:04 PM ]


( 6 )

دمشق


الجامع الأموي

دِمَشق أو دِمِشق (عاصمة الجمهورية السورية حاليا) وأكبر مدنها. وتقع على خط طول شرقي 37َ 30 ْ وخط عرض شمالي 33َ 30ْ. وهي إلى الشرق والجنوب من مدينة بيروت، وتبعد عنها 112 كيلو متر، وتبعد عن جنوبي مدينة حمص أربع مراحل وتعلو عن سطح البحر 2400 قدم. وتعرف المدينة بأسماء أخرى من أشهرها الفيحاء ولؤلوة الشرق.
و هي أقدم عاصمة في العالم، وأقدم مدينة مأهولة في العالم أيضاً. ورد ذكرها في مخطوطات مصرية تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد.يبدأ التاريخ الموثّق لبدايات دمشق في نصف الألفيّة الثّانية قبل الميلاد , في فترة الآراميين.أصبحت المدينة في ذلك الوقت العاصمة لإمارة آرامية. كان الآراميون عرباً يتكلمون العربية باللهجة الشمالية الّتي تسمى السريانية, نشأوا في شبه الجزيرة العربيّة حيث أصبحت دمشق محور لممالك آراميين , كما وثّق في العهد القديم .
ثمّ انتقلت السّيادة ألى أيدي الآشوريين و لاحقًا إلى البابليين الجدد تحت حكم نيبوتشادنيزار في 572 قبل الميلاد. أوقف الحكم البابلي بعد فترة قصيرة من قبل الملك الفارسيّ , سيروس الذي أخذ المدينة عام 538 قبل الميلاد و جعل دمشق العاصمة والمركز العسكريّ الرّئيسيّ للإقليم الفارسيّ في سوريا.
اكتسح الجنرال المقدوني , الاسكندر الأكبر و جيوشه سوريا و الإمبراطوريّة الفارسيّة عام 333 قبل الميلاد, و كانت المرّة الأولى الّتي تقع فيها دمشق تحت الحكم الغربي.


أصبحت سوريا فيما بعد قلب الإمبراطوريّة الكبيرة الّتي تشمل جميع آسيا الصّغرى إلى إيران و أفغانستان . احتل الآشوريون المدينة عام 732 ق.م وسقطت بأيدي الاسكندر الأكبر عام 333 ق.م. وبعد وفاته، أصبحت دمشق جزءاً من المملكة السلوقية. احتلها الإمبراطور الروماني بومبيي الأكبر عام 64 ق.م
وقد أصبحت مركز التّجارة للإمبراطوريّة الرّومانيّة , للتّسويق و توزيع المنتجات بين أوروبّا و الشرق . حيث قاموا ببناء مدينة جديدة على حطام المدينة القديمة . كنتيجة لذلك ,أصبحت منتجات دمشق , مثل السيوف , الأواني الزّجاجيّة و القماش , مشهورة في الإمبراطوريّة . مما أدى إلى جعل دمشق ّ بين المدن العشر البارزة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة .

في غضون هذه الفترة, أدخلت الديانة المسيحية إلى دمشق . و رسخت بشكل كبير عند قدوم القديس بول إلى دمشق تقريباً عام 34 للميلاد. كان في طريقه إلى دمشق عندما أتته الرؤيا الّتي تركته أعمى و أقنعته بأنه لا ينبغي عليه أن ينفّذ مهمّته للقبض على مسيحيّي دمشق . عولج بول من عماه من قبل أنانياس الذي قدّس فيما بعد . أصبحت دمشق مركزاً مهماً للمسيحيّين و أصبح أسقف دمشق ثاني أهم مبلغ كنائسيّ بعد بطريرك أنتيوتش . و مع انتهاء الإمبراطوريّة الرّومانيّة عام 39 بعد الميلاد , أصبحت سوريا جزءاً من الإقليم الشّرقيّ للإمبراطوريّة البيزنطيّة . في موضع استراتيجي بين أناتوليا و مصر , أهم إقليمين في للإمبراطوريّة البيزنطيّة .


وقد لعبت دمشق دورا كبيرا في تاريخ الشرق القديم ولا سيما في عهد الدولة اليونانية والرومانية والبيزنطية. وظل لها هذا الدور حتى بعد أن فتحها المسلمون على يد خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح عام 14هـ / 635 م.
ولقد جعلها معاوية ابن أبي سفيان عاصمة للخلافة الأموية، واستمرت دمشق هكذا إلى أن سقطت الدولة الأموية فسقطت هي بدورها بيد القائد العباسي في غرة رمضان سنة 132 هـ / 750 م وأصبحت ولاية عباسية حيث انتقلت الخلافة العباسية إلى بغداد ، والخليفة العباسي الوحيد الذي اهتم بها نوعا ما هو المتوكل حيث أقام فيها سنة 244هـ / 858 م لفترة قصيرة لم تكن كافية لإعادة الازدهار إليها، وعندما بدأت الدولة العباسية في التمزق إلى دويلات وظهرت الدولة الطولونية في مصر سنة 264هـ / 878 م وقعت دمشق في قبضة أحمد بن طولون مستقلة عن دار الخلافة في بغداد، وبعد سقوط هذه الدولة سنة 282هـ / 896 م ظهر القرامطة على أبوابها على شكل غارات شنوها عليها حتى قضى جند الخليفة عليهم، وقد مرت دمشق بأوقات عصيبة حتى تمكن نور الدين محمود صاحب حلب من الاستيلاء عليها سنة 549هـ / 1154 م ، وكان حكم نور الدين في دمشق فاتحة عهد جديد من الرخاء والقوة، ويعتبر عهده مع عهد صلاح الدين أزهر أيامها، وفي سنة 658هـ / 1260 م عادت دمشق إلى سابق عهدها وذلك عندما أصبحت أهم ولاية مملوكية في بلاد الشام خاصة في عهد الظاهر بيبرس. وفي عام 923هـ / 1516 م إثر معركة مرج دابق أصبحت ولاية عثمانية، وقد اهتم بها العثمانيون لأهميتها الدينية والتجارية.


المعالم الأثرية:


عرفت دمشق على مر العصور بكثرة الأنهار وجريان الماء في قنواتها فقل أن تمر ببستان إلا والماء يخرج منه إلى حوض يشرب منه الرائح والغادي. وكانت دمشق في بادئ أمرها مدينة زراعية صغيرة في المنطقة التي يرويها نهر بردي. ونظرا لموقع المدينة المتميز كمركز تجاري انتشرت الأسواق بها. كما انتشرت بها القصور المساجد والبيمارستانات .



جامع سنان

أولا :المساجد:


في دمشق أكثر ن 200 مسجد، منها 70 مسجداً مستعملاً اليوم. أهم هذه المساجد، وربما أشهر معالم دمشق، هو المسجد الأموي الكبير الذي شيده الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 98هـ / 716 م، وقد بني المسجد فوق آثار كنيسة قديمة في القرن السابع للميلاد. ويحتوي المسجد على ضريح النبي يحيى عليه السلام (القديس يوحنا المعمدان). وقد أخذ الأمويون المسجد النبوي الشريف في المدينة مثالا لهندسة مسجدهم، ولا سيما التقسيم من الداخل. ويتكون المسجد من قاعة للصلاة كبيرة طولها 148 م وعرضها 40,5 م وصحن خارجي واسع وتقسم قاعة الصلاة الداخلية إلى ثلاثة دهاليز متوازية أو أروقة متساوية في العرض والارتفاع، تفصلها أقواس متناسقة مرفوعة على أعمدة أثرية من الرخام، تعود إلى العصور التي سبقت العصر الأموي مثل العصر الإغريقي والروماني والبيزنطي. وفوق صف الأعمدة هذه نجد صفا آخر من الأعمدة والأقواس الصغيرة، وسقف المسجد مصنوع من صفوف خشبية متتابعة مزخرفة باللون الذهبي، وفي طرف سقف قاعة الصلاة وفوق الرواق الأوسط توجد قبة عالية جدا سميت قبة النسر، وقد أعطيت هذا الاسم لارتفاعها الذي يشبه ارتفاع عش النسر . ويقع محراب الجامع مباشرة تحت قبة النسر في الرواق الأوسط على حائط القبلة، والمحراب مزين بالفسيفساء الملونة، وعلى يمين المحراب يقع المنبر

ومآذن المسجد الأموي الأربع في الأصل كانت أبراج مراقبة أيام اليونان، فتركها الوليد بن عبد الملك مع الحائط الخارجي، وحولها إلى صوامع للأذان، واليوم لم يبق منها إلا البرج الجنوبي الغربي، وقد شيدت فوقه مئذنة أيام المماليك عام 894هـ / 1488 م، بينما اختفت الأبراج الشمالية الغربية، والشمالية الشرقية، والجنوبية الشرقية التي يوجد مكانها مئذنة بنيت عام 741هـ / 1340 م. وهناك مئذنة ثالثة يعود تاريخها إلى نهاية القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي، أقيمت مكان مئذنة كانت موجودة قبل عام 375هـ / 985 م. وأمام المدخل الرئيسي لقاعة الصلاة وسط الصحن المكشوف تقع الميضأة، وهي على شكل مثمن، وعلى جانبي البركة في الصحن مبنيان تعلو كل واحد منهما قبة صغيرة. وإلى جانب هذا المسجد يوجد المسجد الذي شيده نور الدين بجوار القلعة. ومسجد العيدين وغيرهم كثير من المساجد المنتشرة في أرجاء المدينة.
ومن مساجد دمشق الشهيرة الأخرى التكية السليمانية، التي بناها السلطان العثماني سليم الأول عام 1516، ومسجد السنانية.



التكية السليمانية زخارف محراب الجامع الأموي

ثانيا القلاع:

تشتهر دمشق بقلعتها التي شيدت في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة القديمة ضمن السور، ويحيطها خندق عرضه حوالي عشرين مترا ولها أربعة أبواب أشهرها باب الحديد في سورها الشمالي وكان له جسر فوق بردي، ثم باب جسر الخندق الشرقي. وهو الباب الرئيسي لأنه يفتح في المدينة عند باب أبي عصرون، والباب الغربي أو باب السر عند جادة السنجقدار والذي كان السلاطين والأمراء يدخلون منه سرا ويخرجون، وأخيرا باب السر الجنوبي الواقع أمام دار السعادة والمغطى بمبانى سوق الحميدية، وللقلعة أيضا اثني عشر برجا موزعا في أطرافها. وقد تعرضت القلعة للعديد من الكوارث كهدم بعض أجزائها نتيجة الزلازل أو العمليات الحربية وغير ذلك في عهود شتى منذ زمن الأيوبيين والتتار والمغول ، وكذلك في عهد المملوكي والعثماني، كما شهدت إقامة عديد من السلاطين والملوك والأمراء والولاة فيها كنور الدين محمود زنكي، وصلاح الدين، والظاهربيبرس وغيرهم.
وفي عام 1403هـ / 1983 م تم الكشف عما اختفى من أسوارها الغربية والشرقية وكذلك الخندق المحيط بها، وتم هدم سوق الخجا والجزء الشمالي من سوق العصرونية، وجزء من الجهة الغربية لسوق الحميدية، كما نقل منها السجن إلى مكان آخر بهدف تحويلها إلى منطقة أثرية.

ثالثاالقصور:

تميزت دمشق بقصورها الفارهة التي شيدها الخلفاء وال أمراء في عصور الدولة الإسلامية. ويعد قصـر الحـير الغـربي الذي بناه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وجعله مركزا للمنطقة الزراعية هو أكثر هذه القصور تميزا. وكان القصر عبارة عن مربع طول ضلعه (70) مترا ، تحيط بسوره من الخارج أبراج نصف دائرية، كما يحيط بالمدخل الرئيسي برجان؛ أما داخل القصر، فعبارة عن صحن مكشوف، تحيط به ستة بيوت، ويتكون كل منها من قاعة كبيرة مستطيلة، تحيط بها غرف صغيرة مربعة الشكل. والقصر من الداخل مملوء بالزخارف الجصية التي توجد على النوافذ وأعلى أبواب القاعات ؛ وتمثل هذه الزخارف أسلوبين متميزين. ففي النوافذ العليا يتجسد إلى حد كبير الأسلوب الساساني ، فقوام الزخرفة فيها شجرة الحياة ، وهي شجرة مقدسة عند الساسان. أما النوافذ السفلى، فزخرفتها عبارة عن رسوم هندسية، قوامها رسوم نجمية ودوائر وهي التي كانت مستعملة لدى البيزنطيين. وكذلك كان هناك قصر الحجاج الذي ينسب إلى الحجاج بن عبد الملك بن مروان والقصر الذي شيده الظاهر بيبرس في الميدان الأخضر علي نهر بردي ويسمي القصر الأبلق.

رابعا البيمارستانات:

تميزت دمشق بالمستشفيات التعليمية والمدارس الطبية. فمن المستشفيات التي ازدهرت بها البيمارستان الكبير النوري الذي شيده السلطان نور الدين محمود النوري عام 595هـ / 1199 م، ويقع غرب سوق الخياطين داخل دمشق. وهو بيمارستان متعامد في تخطيطه، ويحتوي على أربعة إيوانات، خصص كل واحد منها لعلاج نوع خاص من المرضى. ويدخل الزائر إلى هذا البيمارستان من بابه الذي يبرز عن جداره الغربي، وتزين المقرنصات أعلاه ، كما أن النوافذ التي تعلو الأبواب قد زخرفت بزخارف جصية مخرمة، تشبه إلى حد كبير، زخاف نوافذ قصر الحير.
وهناك بيمارستان الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي أنشئ لعزل المجزومين عن المجتمع خوفا من انتقال عدوى المرض إلى الأصحاء، وكان مكانه في محلة الأعاطلة بالقرب من باب شرقي وبقي يستقبل مرضاه منذ تأسيسه وحتى مطلع القرن العشرين.
أما البيمارستان الثالث فهو البيمارستان القيمري الذي يقع إلى غرب جامع الشيخ محيي الدين بن العربي. وينسب إلى منشئه أبي الحسن ابن أبي الفوارس المتوفى سنة 653هـ /1255 م. وقد رممه حسن باشا المعروف بشوريزي حسن. ونظر في أوقافه وأقام شعائره كما فعل بالبيمارستان النو ري من قبل. وكان يصرف على البيمارستان القيمري من أوقاف عديدة، حبسها عليه مؤسسه. وقد حددت صورة وقفه وجوه الصرف المختلفة كمعالجة المرضى والمصابين والأشربة والحوائج وأجرة الطبيب وأمين المتشاوفين والإمام وعامل البناء المرتب لعمارته والناظر والمؤذن واثنين بخدمة البيمارستان. وبجوار هذه المستشفيات كانت هناك المدارس الطبية اشتهر منها المدرسة الدخوارية التي أوقفها مهذب الدين عبد الرحيم علي بن حامد المعروف بالدخوار وذلك عام 621هـ / 1224 م، وكان موقعها بالصاغة العتيقة بدرب العجل قرب الخضراء في الجهة القبلية من الجامع الأموي. وكان قد وقف لها ضياعا وعدة أماكن يستغل منها وتصرف في مصالحها من المدرسين والمشتغلين بها. وهناك أيضا المدرسة الدنيسرية التي أنشأها عماد الدين أبو عبد الله محمد الربعي المعروف بالدنيسري عام 680هـ / 1281 م، وقد أقامها غربي باب البيمارستان النوري والصلاحية بآخر الطريق من قبلة بدمشق. ومن المدارس الطبية أيضا المدرسة اللبودية النجمية أنشأها نجم الدين يحيى بن محمد اللبودي عام 664هـ / 1266 م، وكان موقعها خارج البلد لبستان الفلك المشيري.

خامسا الحمامات:

ومن جملة ما اشتهرت به دمشق حماماتها. وهي من المنشآت ذات النفع العام يرتادها أبناء دمشق والغرباء عنها على حد سواء. وكان بعضها في ذلك الوقت موقوفا لجهة وقف خيري، ومن أهمها حمام فتحي أفندي القلانسي في محلة الميدان بالشارع السلطاني الذي كان يستحم المرء فيه دون مقابل. وهناك حمام ساقة الذي أشرف عليه الشيخ عبد الرحمن المرادي عام 1210هـ / 1795 م. وكانت دخول هذه الحمامات تصرف في وجوه مختلفة بحسب رغبة واقفها، فبعضها كان يذهب للصرف على المدارس أو المنشآت الدينية والبعض الآخر لمتولي أوقافها أو للقائمين على إدارتها وتشغيلها، وكذلك لترميمها بين الحين والآخر. ولم تكن على درجة واحدة من حيث فخامتها ورقيها وتجهيزها، لهذا كانت ترتاد من فئات الشعب المختلفة. كما أنشئ العديد منها في قصور أغنياء دمشق وأفراد الهيئة الحاكمة أنشئ بعضها في الرياض المحيطة بدمشق وفي قرى الغوطة.
ولقد ارتبط عدد الحمامات في دمشق بعدد سكانها وتوسعها العمراني لهذا ترى أن عدد تلك الحمامات قد تناقص مع الزمن بدءا من القرن الثامن وحتى القرن الحادي عشر للهجرة / السابع عشر للميلاد، ثم بدأ بعد ذلك يتزايد عما كان عليه في ال قرن الحادي عشر. فمجموع حمامات دمشق داخل سورها كان حماما.

ولقد بلغ عدد الحمامات التي تقع داخل دمشق (34) حماما منها: حمام النايب في محلة باب توما باطن دمشق، وحمام منجك بمحلة القباقبية، وحمام عيسى القاري، وحمام بني أسامة بدخلة بني الصايغ، وحمام لصيق بالبيمارستان النوري بالقرب من المدرسة الشامية من ناحية القبلة، وحمام الأمير علي في محلة سوق القطن بزقاق المدرسة الخضيرية، وحمام المسك في محلة طالع القبة أو حمام السلسلة.
أما الحمامات التي كانت موجودة خارج أسوار دمشق في الرياض المحيطة بها فهي: حمام الفواخير في صالحية دمشق، وحمام القاشاني في سوق الجركسية من الصالحية ثم حمام القناطر في محلة القنوات ، والحمام الجديد في القنوات بزقاق التعديل، وحمام الورد بسويقة ساروجة، وحمام السنانية، وحمام المحتسب بالداخلة النافذة بالقرب من خان لالا مصطفى باشا، وحمام الزين بالسويقة المحروقة بدخلة المقدم، وحمام القرماني بمحلة القلعة ظاهر دمشق، وحمام التيروزي في محلة قبر السيدة عاتكة، وحمام الحدادين في محلة الدرويشية، والحمام الجديد بمحلة القماحين من الميدان، وحمام فتحي القلانسي، وحمام الحاجب بباب السريجة، وحمام الخانجي، وحمام السلسلة، وحمام الجوزة في سويقة ساروجة، وحمام أمونة بمحلة العمارة بالقرب من جبالة أبي الدحداح، وحمام السكاكري.
ولقد اختلف نمط بناء كل حمام من حيث الزخرفة والمواد المستخدمة وطريقة بنائه والمساحة التي بني عليها إلا أن غالبها يتألف من ثلاث دوائر أساسية هي: البراني (الخارجية) والوسطاني (الوسطى) والجواني (الداخلية)، والبعض القليل منها كان مكونا من دائرتين: البراني والجواني. وكان يدخل إلى الدائرة الخارجية من باب الشارع أو الحارة. وعلى جانبي المدخل توجد غرفتان صغيرتان تليهما مصطبتان أو أكثر مرتفعتان عن أرضية البراني يصعد إليهما بدرج خاص فيخلع عليها المغتسلون ثيابهم ويقدم لهم ما يلزم من البشاكير والمناشف وما شابه ذلك للرجال. أما النساء فكن يجلبن بقجاتهن من بيوتهن. وكانت مصاطب الحمام مكسوة بالسجاد والبسط. وفي داخلها نافورة ماء تحيط بها من جهاتها الثلاث مصاطب صغيرة أو مقاعد لجلوس المستحمين علي ها. وفي وسط المصاطب الكبيرة توجد بركة ماء كبيرة بها فسقية ونافورة وغالبا ما تكون مزينة.
ويزود الحمام بالقباقيب العديدة التي تستخدم من قبل المغتسلين وعمال الحمام وبه المرايا التي تعلق على الجدران. ولتأمين الإضاءة للحمام نهارا تجد به شبابيك علوية محكمة الغلق من الزجاج . أما الدائرة الثانية فتتكون من الوسطاني - الوسطى - للزبائن والجواني - الداخلية- وهي خاصة بالاستحمام، بها منافع (دورات مياه) ويوجد في كل منها أجران، وهذه الأجران من الرخام أو الحجارة تنصب فيها المياه من فتحتي أنبوبين. الأول حار والثاني بارد تتحكم فيها قطعتان من الخشب. أما جدار البناء وأرضيته فغالبا من الرخام والسقف من حجارة العقد أو على شكل قباب بها فتحات توضع عليها قطع زجاجية للإضاءة ويطلق على هذه القطع اسم القماري. ولا يوجد بهذين القسمين شبابيك على الإطلاق وذلك للحفاظ على حرارة الحمام الداخلية.
وتستمد هذه الحمامات المياه من الطوالع القريبة التي تتزود بدورها من الطالع الرئيسي. وينتقل الماء بأنابيب فخارية إلى مرجل ناري وإلى صنابير المياه الباردة ودورات المياه والنافورات في داخل برك الماء. ومن الحمامات التي كانت تزود بالمياه البزورية حمام نور الدين الشهيد، وحمام العفيف، وحمام المقدم، وحمام الحاجب. وكان لكل منها طالع ماء يزوده طالع رئيسي يأتيه الماء بدوره من نهر يزيد. أما الطاقم الذي كان يعمل في داخل الحمام فكان يضم المعلم وهو صاحب الحمام أو مستأجره الذي يقوم بتشغيل الحمام وتوزيع العمل على بقية عماله، والناطور وهو الذي يتعاطى كسوة الزبائن في القسم الخارجي، والمصوبن ومهمته تغسيل الزبائن بالصابون والليفة والدلك بالكيس الخاص بالحمام لإخراج الوسخ لمن أراد ثم القهوجي ويسقي القهوة للزبائن في الحمام، والتبع وهو عامل يقدم للزبائن المناشف إذا كانوا من متوسطي الحال أو من الفقراء كما يعمل النورة المعروفة بالدواء ، ثم الأجير ويكون واحدا أو أكثر ومهمته أخذ النعال وتقديمها لأصحابها، والإقميمي ومهمته إيقاد النار في الإقميم والإشراف عليه والحصول على الوقود والزبل ونشره ليجف كما يخرج الرماد من تحت الإقميم، وأخيرا الزبال ومهمته جلب روث الجمال والحمير والبقر في الشليف على ظهر حمار من أماكن عدة كالخانات وغيرها ويعطيها للإقميم .

سادسا الأسواق:

أسواق دمشق القديمة ذات السقوف لكل منها نكهة تستطيع أن تميزها وأنت مغمض العينين وبينما أنت تنساب في عتمتها الحانية وسط أريج عطورها وبهارها وتناثر ألوان البضائع على مداخل حوانيتها تظنك دخلت إلى عالم الأساطير حيث السندباد والمهرة من تجار الحكايات . وأشهرها :ـ

- سوق الحميدية: يمتد على خط مستقيم من الغرب (السـلطان عبد الحميد حيث كان باب النصر) وحتى الجامع الأموي تاريخه إلى عام 1863 خلال العهد العثماني وحكم السـلطان عبد الحميد الذي سمي السوق باسمه.

- سوق مدحت باشا: أو السوق الطويل أنشأه والي دمشق مدحة باشا عام 1878 وهو يعلو الشارع الروماني المستقيم الذي كان يخترق المدينة من باب الجابية إلى الباب الشرقي، ويسير بموازاة سوق الحميدية ويفصل بينهما أسواق صغيرة أخرى.
وفي أحد الأزقة المتفرعة يوجد مكتب عنبر وهو من اجمل البيوت الدمشقية التي أنشئت في القرن التاسع عشر. وقد رمم مؤخراً وأصبح قصراً للثقافة وهو يتميز بزجاجه الملون وباحاته الفسيحة.
كما انه في نهاية السوق وقبيل باب شرقي توجد العديد من الكنائس الجميلة والعريقة وأهمها كنيسية (حنانيا) التي تعود للعهد البيزنطي.

- سوق الحرير: أنشأه درويش باشا عام 1574، ويقع مدخله في آخر سوق الحميدية بالقرب من الجامع الأموي
ويؤدي سوق الحرير إلى سوق آخر هو سوق الخياطين الذي أنشأه شمسي باشا عام 1553. وبين السوقين يقع جامع وضريح القائد الإسلامي نور الدين زنكي الذي أنشئ عام 1173.

- سوق البزورية: يصل ما بين سوق مدحة باشا وقصر العظم. وهو يشتهر بأريجه المتميز إذ ان حوانيته الصغيرة تغص بأنواع البهارات والعطور واللوز والفستق والفواكه المجففة والأعشاب الطبية وحلويات الأعراس والمناسبات كالسكاكر والشوكولاته والملبس.

- سوق السنانية :الذي ينسب إلى الوالي العثماني سنان باشا، ثم سوق الدورويشية نسبة إلى الوالي العثماني درويش باشا. وهذان السوقان يقعان خارج أسوار المدينة من جهة الغرب.

- سوق الوزير محمد باشا العظم المسمى (بالسوق الجديد): وقد أقيم هذا السوق على أنقاض أسواق ومبان قديمة إلى الشرق من باب السعادة داخل الأسوار، وكان الشروع في عمارته في أوائل جمادى الأولى 1192هـ / 1781 م.

وبشكل عام فقد بقيت أسواق دمشق على تخصصها السابق فنسب السوق إلى الحرفة القائمة فيه كما نسب بعضها إلى بانيها أو محتلها، وبلغ عددها في دمشق أكثر من مائة وخمسين سوقا كان معظمها داخل سورها وحول الجامع الأموي. كما كان للصناعات المتقاربة أسواق متقاربة أيضا. فسوق مجلدي الكتب وسوق الوراقين وسوق المكتبيين كانت كلها تقع في منطقة باب البريد لصيق الجامع الأموي من الغرب.
وكانت بعض الأسواق تعقد في الساحات العامة المكشوفة كسوق الجمال في حي الميدان وسوق الغنم وسوق البقر وسوق الجمعة بالقرب من قلعة دمشق حيث كان يؤتى بالبقر من أرزروم. وتخلل هذه الأسواق حوانيت للحلاقين ويقوم هؤلاء بدعوة المارة للحلاقة. وكان رواد هذه الأسواق من جنسيات وقوميات مختلفة وبأزياء متنوعة، فمنهم الراك ب والماشي، ومنهم من يقبض على لجام راحلته ليسير بها إلى هدفه.


المكانة العلمية :

كانت جوامع دمشق تقوم بمهامها التدريسية إلى جانب مدارسها، كجامع العداس والدرويشية والسليمانية والسليمية والسنانية وغيرها. إلا أن أهم الجوامع على الإطلاق في هذا المجال كان الجامع الأموي، نظرا لعراقته واتساعه وكثرة أوقافه الدارة ومدرسيه الكثيرين ، وتعدد حلقات التدريس في أرجائه. وكانت تلك الحلقات تعقد في صحنه وأروقته وداخل حرمه. وأهم حلقاته التدريسية ما كان تحت قبة النسر التي كانت موقوفة لأعلم علماء دمشق. واعتبرت الدراسة تحتها بمثابة المرحلة العليا من الدراسة

أولا المدارس:

عرفت دمشق منذ العصور الإسلامية الأولى بأنها مدينة المدارس وذلك لكثرة المدارس بها حتى إنها وصلت في عهد الملك صلاح الدين الأيوبي نحو عشرين مدرسة وزاد عدد المدارس فيما بعد زيادة كبيرة. ويأتي في مقدمة المدارس المدرسة العادلية الكبرى وهي تقع في باب البريد قبالة المدرسة الظاهرية، أنشأها في العهد الأيوبي الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب شقيق صلاح الدين الأيوبي عام 612هـ / 1215 م ، وأكمل بناءها ابنه الملك المعظم عام 618هـ / 1221 م. وهي تعتبر نموذجا للعمارة الأيوبية من حيث التخطيط ورصانة البناء وتناسب الأبعاد ، وبساطة الزخارف. والمدرسة مبنية من الحجر المنحوت وكأنها مصباح على قاعدة منمقة من الخارج ، وتحتها أربع زوايا مثلثة الشكل. أما المدخل الرئيسي فيزينه عقدان متجاوران من المقرنصات ، ويتوجه عقد واحد وتحيط بالباب زخارف هندسية سوداء وبيضاء، تمتد حتى نهاية الواجهة، فتمنحها جمالا بسيطا رائعا.
وفي عام 1337هـ / 1919 م أنشئ فيها المتحف الوطني و المجمع العلمي العربي الذي أسسه العلامة محمد كرد علي بعد الحرب العالمية الأولى، ويعرف حاليا باسم مجمع اللغة العربية ومقره الجديد في غربي المالكي.
ومن المدارس الأخرى الشهيرة في دمشق المدرسة الجمقمية وهي تقع في حي الكلاسة بجوار الجامع الأموي من جهة الشمال وقرب ضريح صلاح الدين، بدأ تشييد أساساتها علم الدين سنجر الهلالي ثم رفع جدرانها في العهد المملوكي السلطان حسن عام 761هـ / 1360 م، وجعلها ميتما للأطفال وبعد ذلك خانقاه، إلى أن احترقت عند احتلال تيمورلنك لدمشق عام 804هـ / 1 401 م. وجدد عمارتها الأمير جقمق الدوادار من العهد المملوكي عام 824هـ / 1421 م، كما أعيد تجديدها بين السنوات 1379- 1385هـ / 1960 -1965م وجعلت مقرا لمتحف الخط العربي.
وهناك أيضا المدرسة الظاهرية التي أنشئت في باب البريد قبالة المدرسة العادلية الكبرى عام 676هـ / 1277 م وكانت في الأصل دارا (للعقيقي) المتوفي عام 368هـ / 978 -979م ثم تولى الملك السعيد بن الملك الظاهر بيبرس البندقداري بناء التربة والمدرسة فيها بعد وفاة أبيه عام 678هـ / 1279 م.
ويعتبر باب المدرسة ذو المقرنصات الرائعة من أجمل نماذج العمارة المملوكية في مدينة دمشق، ويضم المبنى إلى جانب ما ذكرت (المكتبة الظاهرية) التي أنشئت سنة 1296هـ / 1879 م في عهد الوالي أحمد حمدي باشا الذي اشترك مع الوالي الأسبق مدحت باشا في جمع الكتب لها، وتم تأسيسها بمساعي طاهر الجزائري وغيره من العلماء.
كما وجدت المدرسة النورية الكبرى التي أسسها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي في منتصف القرن السادس الهجري، والمدرسة الناصرية التي أسسها الملك الناصر في أواخر القرن السادس الهجري، والمدرسة الشبلية التي أسسها شبل الدولة كافور بن عبد الله الحامي في أواخر القرن السادس الهجري، والمدرسة السيفية التي أسسها الأمير سيف الدين بكتمر في أواخر القرن السادس الهجري.
ولقد كانت هناك مدارس أخرى عديدة منها المدرسة الرواحية، والمدرسة الصلاحية، والمدرسة الأسدية، والمدرسة العصرونية، والمدرسة العزيزية، والمدرسة البدرية، والمدرسة الأمجدية، والمدرسة الإقبالية ، والمدرسة البهنسية، والمدرسة الشامية الجوانية، والمدرسة الصاحبية، والمدرسة الأتابكية، والمدرسة المرشدية، وغيرها كثير.
ولقد كان التعليم في هذه المدارس مقسوما على مراحل تبدأ أولاها بالكتاتيب وفيها فترتان دراسيتان، في الأولى منها يتلقن الأطفال حروف الهجاء، ومفردها ومركبها وأشكالها، ثم يعلمهم شيخ الكتاب قراءة القرآن والكتابة وحسن الخط، وطرفا من الحساب ومن لم يرغب في متابعة المرحلة الثانية يترك الكتاب مكتفيا بهذا القدر من التحصيل العلمي، فيبحث عن حرفة ليكسب منها ما يقوم بمعاشه ، أما المرحلة الثانية من التعليم ففيها يحضر الطالب دروس الأفاضل ذوي المعارف والفضائل ويدرس لهم ما يساعدهم على فهم القرآن والحديث والمناقشة المنطقية .

ثانياالمكتبات:

انتشرت بدمشق المكتبات، إلا أنها لم تكن منفصلة عن الجوامع والمدارس والمنشآت الدينية الأخرى كالتكايا والخانقاهات والزوايا وغيرها، باستثناء القليل منها في بيوت بعض رجال الدين وغيرهم. وكان أغلب هذه المكتبات عبارة عن وقف ينتفع به طلاب العلم.
وأهم هذه المكتبات مكتبة المدرسة العادلية. وكانت المكتبة في صدر الإيوان بالمجلس الكبير من مبنى المدرسة وهذه المكتبة في الأصل وقف وقفه قطب الدين النيسابوري. ثم هناك مكتبة المدرسة البادرائية المخصصة لكتب الفقه الشافعي وموقوف عليها وقوف حسنة ينفق منها علي المكتبة ويوجد بهذه المكتبة خزانة للكتب وتنسب هذه المكتبة إلى نجم الدين البادرائي. وكذلك مكتبة المدرسة العمرية في صالحية دمشق. ثم مكتبة مدرسة إسماعيل باشا العظم، التي أسهم في إمدادها بالكتب، ابنه أسعد باشا العظم، ثم مكتبة مدرسة عبد الله باشا العظم التي أضيفت إليها كتب والده محمد باشا العظم سنة 1190هـ / 1776 م، ثم مكتبة مدرسة الملا عثمان الكردي. ومكتبة التكية السليمانية، ومكتبة المدرسة المرادية، ومكتبة المدرسة السمسياطية، ومكتبة بيت الخطابة في الجامع الأموي، والمكتبة السياغوشية، ومكتبة جامع يلبغا، والأحمدية، ومكتبة الشيخ خالد في محلة القنوات في بيت الشيخ عمر الحضرة ومكتبة الاشماسية بمدرسة قرب الجامع الأموي.

ثالثا العلماء:

خلال العصور الإسلامية اشتهر في دمشق العديد من العلماء الأفذاذ الذين شهد لهم التاريخ وكان من بين هؤلاء العلماء، عبد العزيز بن أحمد بن سليمان التميمي الدمشقي الكنافي الصوفي الحافظ وكان من أعيان المحدثين، وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو البصري الدمشقي الحافظ المشهور شيخ الشام في وقته، وأبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية شيخ الإسلام المجتهد وصاحب المؤلفات الشهيرة في الفقه والعقيدة، وعلي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر الشافعي الحافظ المحدث، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان الشهير بأبي شامة فقيه ومحدث ومؤرخ، وأبو الفداء إسماعيل بن علي بن محمود كان مؤرخا جغرافيا قرأ التاريخ والأدب وأصول الدين، وأبو عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك أحد علماء النحو والقراءات المشهورين.
كما اشتهر بها من الفلكيين أبو الحسن علاء الدين علي بن إبراهيم بن الشاطر الأنصاري الدمشقي، وفخر الدين رضوان بن محمد بن علي الساعاتي كان مشهورا في معرفة الساعات وهو الذي عمل الساعات عند باب الجامع الأموي، ومحمد بن معروف بن أحمد الشهير بتقي الدين الراصد مهندس ميكانيكي فلكي ورياضي أقام بدمشق ثم انتقل إلى إستانبول حيث أسس مرصدها. ومن النباتيين أبو محمد عبد الله بن أحمد ضياء الدين الأندلسي الشهير بابن البيطار بلغ منزلة كبيرة في علم الأعشاب والنباتات ولد في مالقة من بلاد الأندلس ثم انتقل إلى دمشق وأقام فيها مدة فدرس النباتات في الشام وآسيا الصغرى ثم ألف كتبا في الأدوية المفردة، وأبو جعفر عمر بن علي بن البذوخ القلعي كان فاضلا خبيرا بمعرفة الأدوية المفردة والمركبة وله حسن نظر في الاطلاع على الأمراض ومداواتها
ومن العلماء الأطباء اشتهر بدر الدين محمد ابن قاضي بعلبك، وشيخ الأطباء علاء الدين ابن النفيس ، ونجم الدين بن المنفاخ، و موفق الدين البغدادي ، والحكيم شرف الدين علي بن الرحبي والطبيب المؤرخ ابن أبي أصيبعة ، ومهذب الدين عبد الرحيم بن علي ويعرف بابن الدخوار صاحب المدرسة الدخوارية.


البصرة



مدينة من المدن العراقية تقع على الضفة الغربية من شط العرب على بعد حوالي (67) كم من الخليج العربي، و(549) كم من بغداد ، وهي منفذ العراق لأقطار الخليج العربي والشرق الأقصى بحرا. ووصفت بانها ثغر العراق وهي المنفذ الوحيد له للاتصال بالعالم الخارجي بحرا عبر ثلاثة خطوط ملاحية عالمية عن طريق ميناء ام قصر وميناء الفاو وترتبط جوا عبر مطارها الدولي الحديث عبر كل عواصم العالم ، وترتبط بخمسة طرق برية منها اربعة للسيارات والخامس طريق للقطار السريع، وبطريقين نهريين بالعاصمة ومحافظات القطر عبر نهري دجلة والفرات .
أسسها عتبة بن غزوان عام 16هـ / 637 م. في خلافة عمر بن الخطاب، اطلق العرب هذا الاسم على الارض التي فيها الحصى والحجارة الرخوة والتي فيها بياض وسواد ، وتعد اول مدينة عربية اسسها العرب في ظل الاسلام ، ومؤسسها عتبة بن غزوان في عام 14هـ/635م وانشئت على مقربة من قرية عراقية تدعى ((البصيرة)) والتي ترجع عروبتها الى عصر بخنتصر .
وبالقرب منها جرت موقعة الجمل عام 36هـ / 656 م بين علي وبين عائشة وطلحة والزبير، ونظرا لموقع البصرة الجغرافي كانت مركزا لكثير من الثورات السياسية والفكرية، منها ثورة الخوارج والزنج والقرامطة، وفيها ظهر مذهب الأشاعرة.

وقد مرت مدينة البصرة بخمس مراحل في إنشائها: كانت الأولى حين كتب عتبة بن غزوان للخليفة عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا بد للمسلمين من منزل يشتون به إذا شتوا ويسكنون فيه إذا انصرفوا من الغزو، فوافق الخليفة عمر واختار عتبة الموقع فكانت البداية متواضعة إذ ضربوا الخيام والقباب والفساطيط ولم يكن بناء. والمرحلة الثانية حين بنى الناس مساكن بالقصب وهو متوفر في تلك الناحية فبني المسجد ودار الإمارة ودونه الرحبة وهي رحبة بني هاشم وفيها السجن والديوان. فكانوا إذا خرجوا للفتح نزعوا ذلك القصب وحزموه وصفوه حتى إذا رجعوا أعادوا بناءه.


وفي المرحلة الثالثة استعملوا بناء اللبن والطين وسقف الخشب. وكتب إليهم عمر قد كنت أكره لكم ذلك فإذا فعلتم فعرضوا الحيطان وأرفعوا السمك وقاربوا بين الخشب. وكانت أول دار بنيت في البصرة دار نافع بن الحارث ثم دار معقل بن يسار المزني. وكان ذلك في العامين الأوليين ما بين 14هـ / 636 م و16هـ / 634 م. وتوالى على البصرة من بعد عقبة مجاشع بن مسعود السلمي، ثم المغيرة بن شعبة الثقفي ، ثم جاء أبو موسى الأشعري ما بين عامي 17-29هـ / 638 -650م وشرع في تغيير هيكل المنشآت الدينية والإدارية والمدنية في البصرة فبنى المسجد ودار الإمارة باللبن والطين، وغرس النخل وتسابق الناس إلى زراعة الأرض المتروكة.
وقد جعلت البصرة أخماسا في مواقع خمسة للقبائل هي محلة أهل العالية وهم في قلب المدينة بين المربد والجامع وأغلبهم من قريش وقد نزحوا إلى البصرة قبل عام 40هـ / 661 م، ومحلة الأزد وموقعها إلى الشمال الغربي من المدينة وهم القبائل اليمنية القادمة من عسير وعمان وأكثرها عددا، ومحلة بني تميم المضريين وتقع في الجنوب الشرقي من المدينة، وهي تلي الأزد في العدد وتقسم اجتماعيا ما بين دارم وحنظلة، ومحلة بني بكر بن وائل في القسم الأوسط من شمال شرقي البصرة ومنهم جماعة ربيعة وسدود وذهل، ومحلة بني عبد القيس على الطرف الشمالي الشرقي من البصرة وهي جماعة بحرية ولديهم بنيت مدينة الرزق على النهر. وكان لكل محلة دسكرة إلا تميم وأزد فلهما دسكرتان. ولكل دسكرة مسجد فثمة سبعة مساجد منها مسجد العلافين في الفرضة ، ومسجد همدان من الأزد، ومسجد بني عدي من الأزد، ومسجد بني مجاشع، ومسجد عاصم.
ومع انتقال مركز الخلافة إلى الشام، استمرت البصرة في التوسع وكثر عمرانها، وبذل الأمويون جهودا كبيرة في إظهارها بالمظهر اللائق كمركز مهم من مراكز ولاة الإقليم في بداية الحكم الأموي، وصاحب هذا التقدم العمراني نموا واضحا في الصناعة والزراعة والتجارة وفنون أخرى.
وفي العصر العباسي الأول ازدهرت البصرة وذاعت شهرتها وقصدها طلاب العلم والأدب واللغة وبرز فيها أعلام كان لهم دور بارز في علوم اللغة والفقه والأدب، ولكن هذا التقدم الذي شهدته لم يدم طويلا فاحتلها صاحب الزنج سنة 257هـ / 781 م، وعاث فيها فسادا، فخرب مبانيها وقتل الكثير من أهلها، وتعرضت لنكبة أخرى عندما احتلها القرامطة سنة 311هـ / 924 م فخربوا ودمروا كل ما وقعت عليه أيديهم. وفي سنة 656هـ / 1258 م استولى المغول على البصرة، وكذلك استولى عليها العثمانيون عام 941هـ / 1534 م.
ولم تسترد البصرة أيام عزها بعد ذلك فكانت الحياة فيها تتأثر بالمشاكل والمشاحنات بين القادة والوزراء في العاصمة، فقل الإقبال على السكنى فيها وبدأ الناس يهجرونها فتناقص عدد سكانها حتى هجرت تماما في القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي وتحول معظم السكان إلى البصرة الحديثة التي حلت محل البصرة القديمة.



المعالم الاثرية :

البصرة مدينة فسيحة الأرجاء ذات بساتين كثيرة، وفواكه أثيرة، ليس في الدنيا أكثر نخلا منها، سبخة التربة ملحة الماء لأن المد يأتي من البحر يمشي إلى ما فوق البصرة بثلاثة أيام، وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر فيصير ملحا.

والبصرة لم يكن موقعها الذي اختير لها على ماء ولكنه قريب من الفرات على (15) كم منه، ولذلك كانت تعتمد أولا على قناة قديمة جانبية تجري إلى الغرب من الفرات تنفصل عنه في هيت ثم تعود للفرات بعد قليل لتصب في البحر في الموضع المعروف بخور عبد الله وتسمى كرى سعدة. ومع زيادة السكان واتساع المدينة حفرت عدة قنوات من الفرات منها نهر معقل الذي احتفره الصحابي معقل بن يسار أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،ويوجد في البصرة حوالي 635 نهراً . متصلة اتصالا مباشراً بشط العرب من جانبيه الشرقي والغربي . وابرز هذه الانهار :

-نهر الرباط/ وينسب الى رباط مالك بن دينار المتصوف البصري .

-نهر الخندق / حفرهذا النهر ليكون خندقاً ويرجع تاريخ حفره الى عهد القائد العباسي الموفق سنه 270هـ .

-نهر العشار / لايعرف متى تم حفر هذا النهر ، وربما حفره بعض افراد العشائر والاعراب سنة 700 للهجرة كما تقول بعض المصادر وزرعوا النخل على حافتيه .

-نهر الخورة / طوله 10 كم وله عدد من الفروع تمتد الى يمينه وشماله ، وهو من الانهر الجميلة في البصرة

-نهر السراجي/ سمي بالسراجي نسبة الى رجل كان يعمل بصناعة السروج .

-وهناك انهار اخرى في البصرة كنهر الابله ونهر الداكير وابو فلوس وسيحان وبويب وابو سلال وباب الهوى وشتوي والشبطانية وفجة العرب والمقام … الخ




وثمة نهر الأبلة أيضا والنهران يمتدان من البصرة نحو الجنوب الشرقي لكن بساتين الأبة تسقى بالمد والجزر. وثمة فروع شقت من الفرات مثل نهر المرة ونهر الدير ونهر الجاحد ونهر الفيض وكلها سواق صغيرة، وكان منها في البصرة عندما زارها ابن حوقل الرحالة في القرن حوالي (129) نهرا تجري في أكثرها الزواريق. ومع ذلك فقد استخدم أهل البصرة من آلات رفع المياه الناعورات والسواقي. وكانت المياه المختزنة في حوض المربد موزعة في أنابيب من الرصاص إلى مسافة فرسخ ثم يرفع مستوى هذه المياه بواسطة دواليب كبيرة. وقد دمرت هذه المنشآت في سنة 438هـ / 1046 م.



المساجد:

تميزت البصرة أيضا بمساجدها الكبيرة الجامعة، والتي في مقدماتها مسجد البصرة الذي كان بناؤه في بداية أمره بالقصب مثل بقية أبنية المدينة، وعندما اجتاح الحريق مدينة البصرة التهم هذا الحريق المسجد أيضا، فقام أبو موسى الأشعري بتوسيع المسجد وبنائه باللبن والطين وصبغ جدرانه واتخذ له سقفا وكان المسجد في ذلك الوقت مربع الشكل، ولم يبق المسجد على حالته طويلا بل وسع وجدد وأعيد بناؤه أكثر من مرة.
وفي عهد زياد ابن أبيه والي البصرة لمعاوية ابن أبي سفيان زيدت في المسجد زيادة كبيرة استجابة لتكاثر الناس في المدينة، وبناه زياد بالآجر والجص وسقفه بالسج، وجعل لصفته المقدمة خمس سوار أتى بها من جبل الأهواز. وبنى منارته بالحجارة وهو أول من عمل المقصورة ونقل دار الإمارة إلى قبلة المسجد ليخرج منها مباشرة إلى القبلة فيصلي بالناس. وكان أمر زياد بجمع الحصى وإلقائه في المسجد حين ر أى الناس ينفضون أيديهم من التراب بعد كل صلاة وقال أخشى أن تصبح سنة.
وكان جانب المسجد الجامع الشمالي منزويا بسبب دار بنيت بجانبها فسويت في عهد عبيد الله بن زياد، وفي العصر العباسي ضاق المسجد بالمصلين فأمر الحاكم المهدي بتوسيعه وأدخل فيه عدة دور عام 161هـ / 778 م، وفي عصر هارون الرشيد وسع المسجد مرة أخرى وأدخلت فيه دار الإمارة وصار من أوسع مساجد البصرة الجامعة آنذاك، وصار له ثمانية عشر مدخلا، وتعد عمارة المستنصر بالله أروع ما حدث في المسجد من عمارة.
ومع تكاثر العمران لم يعد المسجد متوسطا تماما للمدينة، فبني جامع آخر في الأسواق، كما بني جامع ثالث على أطراف البلد على سيف البحر هو جامع العلافين. ومن
المساجد أيضا التي تميزت بها البصرة مسجد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي كان في وسط البصرة، وهو من أحسن المساجد، وصحنه متناهي الانفساح، وكان مفرش بالحصباء الحمراء التي يؤتى بها من وادي السباع، وفي هذا المسجد المصحف الكريم الذي كان عثمان يقرأ فيه لما قتل، ولهذا المسجد سبع صوامع.

-الحمامات:

تميزت مدينة البصرة بحماماتها الكثيرة، وأول حمام اتخذ فيها حمام عبد الله بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي، ثم حمام فيل مولى زياد ابن أبيه وحاجبه ثم حمام مسلم ابن أبي بكرة، وكان مسلم يستغل من حمامه ألف درهم في اليوم، فمكثت البصرة دهرا وليس بها سوى هذه الحمامات، وكانت لا تبنى فيها الحمامات إلا بإذن السلطان، فما لبث أن كثرت الحمامات في البصرة حتى صارت في أواسط القرن الأول الهجري أحد عشر حماما. وكان من أشهر هذه الحمامات حمام فيل وكان يضرب به المثل،وحمام بلج المنسوب إلى بلج بن كبشة التميمي.


-الأسواق:

كانت بالبصرة على مدار عمارتها عدة أسواق منها سوق الإبل قرب المربد، وسوق البزازين ومعظمهم من اليمنيين، وسوق العلافين والقصباء، وسوق الشعارين في باطنه، وسوق الدباغين، وسوق غزالة، وسوق القصابين، وسوق الثبوذكية ، وسوق الصابونيين، وسوق التماريت، وسوق الخلالين وهي سويقة قديمة.
الأسوار: كانت البصرة بحكم موقعها بعيدة عن أي تهديد لخطر خارجي. ولكن في عام 155هـ / 771 م في عهد المنصور بني سور يحيط البصرة ومن حوله خندق، وكان ذلك بسبب تكاثر غارات الميد البحريين عليها ما بين سنتي 141-153هـ / 75 9 -770م. وهم قوم من القراصنة من أطراف كرمان على المحيط الهندي اجترئوا على الصعود في الخليج العربي، ثم أتوا دجلة البصرة فكانوا ينهبون ويخربون فيه ويقطعون طريق تجارة البصرة إلى الهند والصين حتى وصلت مهاجمتهم إلى جدة على البحر الأحمر. فكان ذلك بداية إلى إنشاء أسطول أمر به المنصور ليعبر الخليج ويضربهم. ومن ناحية أخرى فقد أقام أهالي البصرة سورا يحميها وخندقا على حساب أهلها أنفسهم.

المكانة العلمية

أصبحت البصرة بعد تمصيرها عام 14هـ / 636 م. مركزا علميا التقت فيه الثقافات المختلفة إلى جانب الثقافة العربية المتمثلة بالقرآن الكريم وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبالشعر واللغة والأخبار، وكانت البصرة منذ تأسيسها تموج بالعلماء وتحفل بالشعراء، وتضم اللغويين والنحاة، وتعنى بما يترجم وترعى المثقفين، ولم تمض سنوات طويلة حتى أصبحت أهم الأمصار الإسلامية تتدفق منه أسراب العلماء وتفد إليها قوافل الطلاب وتصخب بالمجالس العلمية التي تثار فيها شتى الموضوعات، فقد كانت منبرا حرا يعلن الناس آراءهم فيه.
ولعل أبرز صفة امتازت بها البصرة هي أنها كانت موطن المتكلمين والمتناظرين ومهد الاعتزال. وكان الجاحظ يخرج مع أستاذه أبي إسحاق النظام وغيره يلتمسون الرياضة ويبتغون الحديث ويتناظرون في شيء من الكلام. وكان يقول: "وقد علم الناس أن الكلام مقصور على أهل البصرة، وأنه ليس لسائر الأمة إلا ما صار إليهم من فضالاتهم وما نقلته عنهم". وقد رأى الجاحظ عند داود بن محمد الهاشمي كتابا في الحيات أكثر من عشرة مجلدات.

-المكتبات:

مما اشتهرت به مدينة البصرة وجود العديد من المكتبات العامة كان من أشهرها مكتبة ابن سوار، وكان الواقف لهذه المكتبة أبا علي ابن سوار الكاتب المعاصر لابن النديم في القرن الرابع الهجري، وكانت هذه المكتبة هي أول مكتبة توقف بعد أن أقر العلماء عملية وقف الكتب، وذلك بعد جدل عنيف حول هذا الموضوع. وقد أحرقت هذه المكتبة على يد أحد المنجمين وكان يسمى (تليا) حيث حرض أحد شيوخ القبائل التي تنزل بالقرب من البصرة وحثه على الإغارة على المكتبة فهاجمها ودخلها وأخذت قبيلته في نهبها وحرقها.
وبذلك أصبحت البصرة من أكبر مراكز الحياة العلمية فكان بها عدد كبير من العلماء الذين نبغوا في علوم النحو واللغة فكان من علمائها أبو عمرو ابن العلاء، والخليل بن أحمد، والأصمعي، وأبو الأسود الدؤلي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي، وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري، وسيبويه، واليزيدي، ويونس بن حبيب وغيرهم.

-دور العلم:

كانت المساجد دورا للعلم يلتقي فيها الناس ويأخذ بعضهم عن بعض، وكان جعفر بن الحسن أول من اتخذ مسجد البصرة حلقة وقرأ القرآن في مسجد البصرة.
وكان المسجد الجامع في البصرة يقوم بدور كبير في نشر العلم، وكانت المساجد الأخرى المنتشرة في البصرة تقوم بمثل ما يقوم به المسجد الجامع، ومن تلك المساجد مسجد بني عدي، ومسجد بني مجاشع، ومسجد حدان، وهي مما بناه زياد ابن أبيه.
وكانت دور سراة البصرة منتديات يغشاها الشعراء والعلماء البصريون، ومن تلك الدور دار إسحاق بن سليمان الهاشمي الذي كان يهتم بجمع الكتب كثيرا. ودار محمد بن علي بن سليمان الهاشمي، وكان من روادها إبراهيم النظام، وكان يجري فيها بعض تجاربه على الحيوانات، ودار جعفر بن سليمان التي كانت تقوم فيها المناقشات، ومن ذلك ما كان بين الأصمعي والمفضل الضبي، ودار آل نوبخت التي كان الشعراء والعلماء يفدون إليها، وممن كان يفد عليها أبو نواس، ودار مويس بن عمران التي كانت منتدى يغلب عليه طابع المتكلمين، غير أنه كان يستقبل في هذا الدار غير المتكلمين من الأدباء والعلماء وأهل الحديث، وكانت دار مويس مرتعا لكثير من أصدقائه يفدون عليه ويأكلون عنده وكان كريما، ودار جعفر ابن أبي جعفر المنصور التي كانت منتدى يفد الناس إليه.
وكان لهذه الدور أهمية في الثقافة، لأنها كانت تجمع العلماء والأدباء والمتكلمين، وكانت تثور فيها المناقشات وتعرض شتى الموضوعات كالكلام في الفرق والعقائد والنحو والأدب والغناء والأخبار.


-المدارس:

كانت بعض المدارس النظامية قد أنشئت إلى جانب دروس المساجد ودور العلم، وأهم هذه المدارس مدرسة النظامية التي أمر بتشييد هذه المدرسة الوزير السلجوقي نظام الملك، الذي اشتهر بإنشائه المدارس للشافعية. ومدرسة الشيخ حسن بن دويرة والتي أنشأها الشيخ حسن بن دويرة وكانت هذه المدرسة للحنابلة.
وكذلك مدرستا باتكين آقسنقر باتكين التي كانت إحداهما للحنابلة والأخرى للطب، وذلك عندما سلمت البصرة له بحربها وخراجها جدد مدارس كانت بها وقد دثرت، وأ نشأ مدرسة للحنابلة ولم يكن يعرف بالبصرة لهم مدرسة، وعمل مدرسة يقرأ فيها علم الطب، ووقف في جميع المدارس كتبا وانتشر العلم في زمانه. وهذه هي المدرسة الوحيدة من بين مدارس العراق التي كان يدرس فيها الطب بصورة مستقلة. وقد أنشئ فيها في القرن الرابع الهجري مدرسة عظيمة طار صيتها في الآفاق، ودعي أصحاب هذه المدرسة بإخوان الصفا، وقد بثوا العلوم الدينية والفلسفة بمؤلفات ومصنفات كثيرة.
وقد كان هناك تأثيرا ثقافيا متبادلا بين مدارس بغداد ومدارس مدن العراق الأخرى ومن ضمنها البصرة، فضلا عن أن نوعية المواد والعلوم كانت متشابهة، تعتمد في الأساس على العلوم الدينية كالتفسير والفقه، يضاف إلى هذا كله فإن مدرسة ابن دويرة كانت من المدارس المهمة في البصرة وكان الشيخ عبد الرحمن بن عمر كان من علماء المدرسةالمستنصرية المشهورين ودرس بها .


صنعاء



عاصمة الجمهورية اليمنية ، من المدن الأثرية الجميلة في العالم الإسلامي ، وتقع في الجزء الجنوبي من سلسلة جبال السروات المعروفة على ارتقاع نحو 2.300 مترا عن سطح البحر، ويطل عليها من الجهة الشرقية جبل "نقم" الشهير ، ومن الناحية الغربية جيل "عصر" وجبل "عبيان"،و تقع على خط عرض 15 ، 23ْ شمالا وخط طول 44 ، 12ْ شرقا.

وتعتبر صنعاء من أقدم المدن في العالم ، وقيل إن من أسسها هو سام بن نوح عليه السلام وتحمل صنعاء اسم (مدينة سام) إلى اليوم، وتسمى أيضا(آزال) وهو اسم ورد في كتاب العهد القديم (التوراة) وهو اسم لأحد أبناء يقطن بن عار. وأصل الكلمة في اللغة اليمنية القديمة بمعنى القوة والمنعة فكلمة (صنع) تعني حصن ومنع و(تصنع) يعني تحصن.

تاريخها إلى العصر السبئي ، وأقدم ذكر لها في نقوش المسند يعود الى أواخر القرن الميلادي الأول ..ظلت على مر ألزمان إما مدينة هامة أو عاصمة لأحدى الدول الحاكمة .. كما كانت محطة هامة على طريق التجارة .. والقرأن الكريم يسجل تاريخها العظيم في رحلتي الشتاء والصيف..

أما أقدم ذكر لمدينة صنعاء في النقوش اليمنية القديمة فيعود إلى عهد(هلك آمر بن كرب إيل وتار يهنعم) ملك سبأ وذي ريدان الذي عاش في القرن الأول الميلادي، ثم يتكرر ذكر صنعاء في النقوش بعد القرن الأول مرارا وخاصة في القرن الثالث الميلادي، ولاسيما في عهد الملكين السبئيين (أبي شرح يحصب، ويأزل بين) في حوالي منتصف القرن المذكور.

وفي حوالي عام 530 ميلادية ظهر أبرهة الحبشي- صاحب الفيل والذي أراد هدم الكعبة المشرفة في السنة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم- بعد سقوط الملك اليهودي ذى نواس الذي اضطهد النصارى في صنعاء، وقد جعل أبرهة من هذه المدينة مقرا للوالي الحبشي بعد أن أطاح بمنافسه الحبشي أرياط. وقد زين المدينة بالكاتدرائية المسيحية التي تعرف بقليس -ekklesia- كما جلب مواد البناء من أطلال مأرب، أما العمال فقد بعث بهم إمبراطور الروم وكذلك الفسيفساء.

وفي عام 570 ميلادية استدعت أسرة ذي يزن وهي الأسرة اليمنية الحاكمة القديمة (وهزر) القائد العسكري لكسرى الأول أنو شروان فاستطاع أن يخرج من صنعاء مسروق بن أبرهة الثاني وخليفته ثم أقام فيها بادئ الأمر حكما مشتركا مع ذي يزن ثم انفرد الفرس بالحكم وتولاه ابن وهرز فحفيده ثم ابن حفيده. وظل الأمر كذلك حتى عام 10هـ / 631 م عندما دخل باذان خامس هؤلاء الولاة في الإسلام. وقد انتشر الإسلام في اليمن بسرعة منذ ظهوره. وازداد انتشاره بعد أن فتحها المسلمون عام 16هـ / 636 م، وكان أهل اليمن من أوائل الذين آمنوا بالرسول ونصروه، كما كان لهم أثر كبير في نشر الدعوة الإسلامية خارج الجزيرة العربية.

ولكن صنعاء ما لبثت أن وقعت عام 11هـ / 632 م في قبضة خصم النبي صلى الله عليه وسلم عبهلة بن كعب الأسود الذي تحصن في غمدان وظل يقبض على أزمة الأمور فيها ثلاثة أشهر. ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم دخلت فتنة عبهلة في محاولة للانفصال عن الدولة الإسلامية في المدينة وقد وجدت حكومة الخلافة في المدينة سندا قويا لها في طائفة من أبناء اليمن كان يطلق عليهم (الأبناء) وهم أشراف الفرس المستعربين.
وفي نفس العام تمكن فيروز الديلمي بمساعدة المهاجر ابن أبي أمية بن المغيرة من رد السيادة الإسلامية إلى صنعاء واليمن العليا. وقد تهدم حصن غمدان في ذلك القتال المرير. ويحكى أن هذا الحصن كان قد أعيد بناؤه قبل ذلك في العهد الحميري على يد عمرو ابن أبي شرح بن يحصب الذي ورد ذكره في النقوش. وقد ساد السلام بعض الشيء بعد الفتح، حيث عامل أولو الأمر في المدينة الأشراف في صنعاء وما جاورها برفق وحكمة.

وكان يعلى بن منبه الذي عينه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة للمهاجر لا يزال واليا على صنعاء عندما استخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجهه ولكن عليا عزله وولي مكانه عبيد الله بن عباس. ولما تولى الصحابي الجليل معاوية ابن أبي سفيان الخلافة استبدل عبيد الله بن عباس بآخر هو بسر ابن أبي أرطأة.
وقد خرج أهل اليمن مع الفتح الإسلامي في جيش عمرو بن العاص، فاستقر عدد كبير من المجاهدين ومن القبائل اليمنية في بلاد الشام وفي مختلف أقطار العالم الإسلامي.
وقد تعرضت اليمن إلى هجمات أجنبية، بما فيها الهجمات الصليبية والمغولية، ثم الهجمات البرتغالية والهولندية والبريطانية. ولكنها استطاعت في أواخر القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي قوات صلاح الدين الأيوبي ثم قوات المماليك التصدي للهجمات الصليبية والمغولية، والوصول إلى مدخل البحر الأحمر من أجل حمايتها.
وفي عام 876هـ / 1517 م وبعد سيطرة العثمانيين على مصر، أعلنت اليمن ولاءها للسلطان العثماني سليم الأول. كما خضعت اليمن ل لحكم المصري عام 1194هـ / 1835 م في عهد والي مصر محمد علي باشا. واستمرت اليمن لسنوات طويلة في مرحلة الصراعات الدولية بين الدول الأوربية والدولة العثمانية، إلى أن احتلت القوات البريطانية عدن عام 1198هـ / 1839 م، واستمر الشعب اليمني يئن من وطأة الاحتلال الإنجليزي والصراعات الدولية، وقام بثورات عديدة من أجل ضم عدن وملحقاتها إلى الوطن الأم اليمن.
وفي عام 1306هـ / 1947 م انضمت اليمن وكانت تعرف باسم المملكة المتوكلية اليمنية إلى هيئة الأمم المتحدة، كما انضمت إلى جامعة الدول العربية عام 1313هـ / 1954 م، ثم ألغيت الملكية وأعلنت الجمهورية عام 1321هـ / 1962 م.


المعالم الأثرية :

تتميز صنعاء بتنوع آثارها وحضارتها. ومما يميز صنعاء ذلك التراث المعماري اليمني، وهو أكثر ما يلفت النظر في العاصمة ومختلف المناطق اليمنية، بالإضافة إلى النقوش الدقيقة والرائعة التي تظهر على جدران المنازل والقصور والمساجد والقلاع. ويعد سد مأرب من أشهر السدود التي عرفت على مر التاريخ وهو يعتبر من عجائب الفن الهندسي. وقد شيد أساسا لتنظيم الري ووقاية العاصمة من أخطار الفيضانات الموسمية التي تصيب مأرب في شمال شرقي صنعاء. وقد حرصت الحكومة اليمنية على الاحتفاظ بالطابع المعماري اليمني التراثي حتى عند بناء المباني الحديثة، بما فيه مباني الوزارات، غير أن هناك بعض الاخترقات الغربية المحدودة في العمارة الحديثة.

أولا المساجد:
يعتبر الجامع الكبير بالنسبة لمدينة صنعاء أشهر معلم إسلامي، فقد تم بناؤه بناء على أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم. واختلف فيمن قام بتأسيسه فقيل الصحابي الجليل معاذ بن جبل وقيل هو الصحابي وبر بن يحنس الأنصاري وقيل بل الصحابي فروة بن مسيك المرادي. وقد تم إصلاحه بأمر من الوليد بن عبد الملك وسار على نهجه الولاة من بعده. وتوجد بالمسجد مكتبة عامة، هي من أكبر المكتبات في العالم العربي، تحتوي على نفائس الكتب والمخطوطات النادرة. ويقال بأن هذا الجامع الكبير أقيم على أنقاض قصر غمدان، وقد عرف الجامع باسم الجامع الكبير أو جامع السيدة أروى بنت أحمد. على أن هناك مسجدا آخر في صنعاء يحمل اسمه ويتمثل اليوم في مصلى العيد خارج المدينة ا لقديمة شمال باب شعوب وقد تعاقبت عليه سلسلة من الإصلاحات والإضافات منها ما شيده الوالي الأموي أيوب بن يحيى الثقفي عام 86 هـ بأمر الوليد بن عبد الملك وأخرى قام بها علي بن الربيع الحارثي عام 134 ومنها ما قام به الأمير اليعفري محمد بن يعفر الحوالي بين عامي 266 و 270هـ وتوالت التوسيعات حتى صار إلى ما هو عليه. كما أوقف عليه أوقافا كثيرة من أشهرها ما أوقفه الأمير أسعد اليعفري. بالإضافة إلى هذا الجامع يوجد في صنعاء جامع البكرية الذي يعتبر مفخرة الفن المعماري الإسلامي
وقد كان في صنعاء القديمة مائة مسجد وستة لم يبق منها عامرا بالعبادة إلا أربعين إلى جانب ما بني خارج المدينة القديمة بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م والتي بلغ تعدادها الآن حوالي مائتين وخمسين مسجدا.


ثانيا الأسوار:


كانت الأحياء القديمة بصنعاء محاطة بسور ضخم ترجع أقدم أجزائه إلى أيام الأيوبيين، ويبلغ طول هذا السور نحو خمسة أميال ويخترقه عدد من الأبواب على كل باب حفاظ، وحراس الباب يحملون مفاتيح أبواب السور أو يضعونها في خزانة السلطان، وقد تهاوت بعض أجزاء السور وبقيت بعض أبوابه، وبقيت أسماء هذه الأبواب كما كانت تعرف منذ القديم، وقد كان مجموع الأبواب تسعة، أربعة منها رئيسية وهي أبواب صنعاء القديمة الأربعة (باب اليمن، وباب شعوب، وباب السبحة، وباب ستران) ثم الخمسة الأبواب الأخرى (باب خزيمة وباب البلقة، وباب القاع ، وباب الشقاديف، وباب الروم).




ثالثا القصور:

اشتهرت صنعاء أنها مدينة القصور حيث احتوت على العديد من القصور العظيمة على مر التاريخ، ومن هذه القصور قصر مهم مميز في صنعاء هو قصر غمدان المدفون الآن في صنعاء، وعلى تلاله أقيم القصر، وهو بناء قديم نصفه مخزن للسلاح، والنصف الآخر سجن للمعتقلين، ويعتبر قصر غمدان أول ناطحة سحاب في التاريخ، فهو من بناء القرن الأول الميلادي، وكان لا يزال قائما حتى أوائل القرن الأول للهجرة / السابع الميلادي على عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ويعد قصر ناعط قصر القصور، إذ تألف من (20) قصر كبير مقامة على قمة جبل تنين بهمدان. ومن هذه القصور أيضا مقر الإمام ويسمى بستان المتوكل ويقع في الشمال الغربي من المدينة العربية. ومن قصور صنعاء المميزة أيضا قصر القليس. ولا يزال بصنعاء كثير من القصور التي شيدتها الأسر الحاكمة المختلفة التي تعاقبت على الحكم هناك.

رابعا الحمامات:

عرف اليمنيون الحمامات قبل الإسلام وكانت تبنى في الغالب بجوار المعابد، كما كانت بعد الإسلام تبنى في الغالب إلى جوار المساجد لصلة النظافة بالطهارة وواجب التطهر (الاغتسال) قبل الصلاة، بالإضافة إلى أنها باتت مظهرا حضاريا للمدينة الإسلامية في عصر ازدهارها.
وقد مر الحمام بمراحل كثيرة غير مسجلة حتى استقر على وضعه الحالي والمتوارث منذ بضعة قرون سواء من حيث الشكل وهندسة البناء ومواده، أو من حيث الهدف والتقاليد التي ارتبطت به. ولا يستبعد بأن الحمام كفكرة يمنية قد استفاد من الحمام الطبيعي الذي يهبط إليه بسلم، فجرى إنشاء كل الحمامات تحت مستوى الأرض ولا يظهر منها إلا السقف المبني على شكل قباب بعدد غرفه (التي تسمى خزائن) لها فتحات صغيرة يتسرب منها الضوء عبر قمريات استبدلت بالزجاج في العصر الحديث، وبهذا يحافظ الحمام المبني أساسه بالحجر الأسود ثم بالحبش الأسود، على حرارته التي يكتسبها من فرن كبير يبنى تحته في المؤخرة حيث يعلو الفرن الدست من النحاس مبني عليه بالآجر يفضي إلى خزانة(المغطس) الذي يكون مصدرا للمياه الساخنة لكل خزائن الحمام، وإلى جواره حوض عميق آخر للمياه الباردة، كما ينزل إلى الحمام من مدخله عبر سلم حجري مريح يفضي بعد عبور ممر له إلى ردهة الحمام حيث الاستقبال وغرفة الملابس (المخلع) وبركة (الشذروان).
ويتم من خلف الحمام النزول إلى الفرن عبر درجات تؤدي إلى غرفة مستطيلة تسمى (المللة) هي مخزن الوقود الذي كان إلى عهد قريب في معظمه من الفضلات البشرية التي يتم تجميعها من أسفل مخرجات حمامات منازل المدينة القديمة ويتم نشرها حتى تيبس في ساحة مكشوفة منخفضة قريبة من (المللة) تسمى (المضحى) قبل إحراقها في الفرن.
أما بقية خزائن (غرف) الحمام وفي رأسها (الصدر) الذي يتوسط خزانتين إحداهما(المغطس) فتكتسب حرارتها من تسرب لهب الفرن تحتها عبر فوهات خاصة تمتد إلى تحت الأرضية والجدران المصلولة بالحبش وتصاعد دفئها من مخارج محكمة لقربه من مصدر النيران وهو المكان الأول - بعد التطهر في خزانة المغطس- الذي يقصده المتحممون للعرق والاستفادة من جوه الحار، وذلك قبل الخروج إلى الخزائن الأخرى المعتدلة الحرارة لتلقي خدمات الحمام على يد الحمامي، أو أحد مهرته من الأساطية الذين يقومون بالتدليك بالكيس والتلييف بالصابون حيث يتحلق المتحممون حول أحواض حجرية صغيرة تزود بالمياه من أنابيب ممتدة من المغطس وحوض المياه البارد الذي بجواره، وقد تستخدم الدلاء لنقل المياه في الغالب، خاصة عند الاغتسال النهائي الذي يتم في خزانة المغطس قبل الخروج إلى (المخلع) حيث تترك الملابس بعهدة الحمامي الذي يقوم بواجب الخدمة ومنها تكييس من يحتاج إلى مثل ذلك نظير مقابل لا علاقة له بأجرة الحمام التي كانت تخضع لتقنين رسمي حدده قانون صنعاء عام 1237هـ / 1822 م ببقشة واحدة من الريال.
وقد تصاعدت أجرة الحمام وغيرها من خدماته عبر السنين لكنها كانت دائما متناسبة مع دخل العامة من الناس وذلك باعتبار الحمام مؤسسة موقوفة للخير العام يرعاها وقف خاص وإدارة يتبعها، وهو ما جعل الحمام مستمرا لأداء مهمته والإنفاق على الصيانة والتجديد، في حين يكون دخله -مقابل الخدمات- للحمامي وأسرته والعاملين معه، الذين يتوارثون العمل والمهنة جيلا بعد آخر.
ومن أقدم الحمامات في صنعاء وأكثرها شهرة والتي مازالت عامرة روادها حتى الآن: حمام السلطان وهو القائم حتى اليوم في حي (بستان السلطان) غربي السايلة وهو أقدم الحمامات العامة التي تمثل النموذج التاريخي المتوارث والمشهور، وقد حمل اسم بانيه السلطان طغتكين بن أيوب (توفي عام 593هـ / 1397 م) الذي اختط الحي وبنى فيه قصره ودور الأمراء والقادة الأيوبيين ومسجدا والحمام. ومد قناة فأجرى (غيل البرامكة) ليعبر بستان السلطان الذي كان من أحسن الأحياء وأرقاها. وقد هدم القصر الإمام المنصور بن عبد الله بن حمزة المتوفى عام 614هـ / 1217 م حين استولى على صنعاء ونقل بعض أبوابها وأخشابها إلى ظفار وهو حصنه المعروف بـ (ظفار ذيبين). أما الحمام فقد كان آخر من جدده الإمام المهدي عبد الله المتوفى عام 1251هـ / 1836 م بالصفة التي هو عليها إلى الآن.
وهناك أيضا حمام شكر وهو من الحمامات القديمة المعروفة، ويقع شرقي سايلة صنعاء في أول الشارع المقابل لقبة المهدي عباس، ويرجع تاريخه إلى زمن أقدم من عام 977هـ / 1569 م حين تم تسجيله في المسودة السنانية ونسبته إلى أسرة صنعانية، ويقال إن هذا الحمام كان خاصا باليهود.
وحمام الطواشي وتم بناؤه عام 1028هـ / 1619 م عندما زار اليمن رسول مبعوث من سلطان الهند يعرف بالطواشي، ومعه هدية عظيمة لمحمد باشا الوالي العثماني على اليمن، وخلال مقامه بصنعاء بنى الحمام والمسجد المعروفين باسمه إلى اليوم، وجعل مصالح الحمام وقفا للمسجد. وقد عرف حمام الطواشي بفوائده الطبية وبمغطسه العميق.
وهناك أيضا حمام الميدان العامر إلى اليوم وبناه الوالي العثماني حسن باشا الوزير (988-1012هـ / 1580 -1603م) مقابل قصر السلاح في الجانب الغربي من الميدان، وهو الوحيد -مع حمام العرضي المتأخر- الذي بناه الأتراك في صنعاء. ورغم أنه بني على الطراز المعماري اليمني، إلا أنه أدخل عليه بعض الإضافات التركية في ردهة المدخل وخزانة المخلع، وهو من أحسن الحمامات وأوسعها.
وحمام الجلاء ويرجع تاريخ هذا الحمام إلى ما قبل القرن العاشر للهجرة / السادس عشر للميلادي، وكان خاصا باليهود في الحي الذي كانوا يسكنونه شرقي السايلة حتى تم نقلهم إلى قاع اليهود بعد عام 1086هـ / 1676 م أيام حكم الإمام المهدي أحمد بن الحسن. وعرف الحي من يومها باسم حي الجلاء. وقد قام المهدي عام 1091هـ / 1780 م ببناء مسجد الجلاء محل (كنيس اليهود)، جنوبي الحمام بعد إجلائهم، وكلا الحمام والمسجد عامر إلى اليوم.
ومن الحمامات أيضا حمام المتوكل وهو حمام مشهور عامر، بناه في باب السبح شمالي قبة المتوكل التي بناها أيضا، الإمام المتوكل القاسم بن حسين (1128-1139هـ / 1716 -1626م). وقد قام المهدي عبد الله بن المتوكل أحمد بترميمه وتجديده على الحالة القائمة الآن.
وهناك عدد آخر من الحمامات تحمل أسماء أحياء صنعاء القديمة مثل ح مام سبأ وحمام ياسر وهما من أقدمهما، وحمام سوق البقر والبونية وكذا حمام الفيش جنوبي قاع اليهود وحمام العرضي الوالي العثماني الذي بناه داخل مبنى العرضي الوالي العثماني المشير عبد الله باشا عام 1318هـ / 1900 م. وكان حمام علي المبني بجوار بستان (دار الحمد) أحدث حمام قبل ثورة 26 سبتمبر عام 1962م بناه بعد عام 1367هـ / 1948 م سيف الإسلام علي بن الإمام يحيى حميد الدين.
وفي السنوات الأخيرة، ونتيجة لتزايد سكان صنعاء توجه بعض الناس في بناء حمامات جديدة خارج نطاق المدينة التاريخية عرف منها ثلاثة هي: حمام النور جنوب باب اليمن، وحمام الجراف شمالها، وحمام الخاوي جنوب سور ما كان يعرف بالعرضي الدفاعي (التموين العسكري) الآن.

خامسا الأسواق:

كانت صنعاء قبل الإسلام حاضرة هامة ومحطة تجارية وسوقا من أشهر أسواق العرب واشتهرت بذلك أيضا بعد الإسلام حتى قيل إنها "كانت وجهة كل تاجر وعالم" وشاع عنها قولهم: "لابد من صنعاء وإن طال السفر وإن تحنى كل عود وإن عقر".
أما أسوق صنعاء فقد كانت من أسواق العرب المشهورة قبل الإسلام وقد كانت أسواقا متميزة ومتعددة الأغراض وقد ارتبط توسع السوق بازدهار المدينة ونموها واعتماد المنتجات الحرفية عليه. وفي عام 1974م كان بصنعاء (49) سوقا، و(29) سمسرة تستعمل كمخازن للتجارة ومصارف للتبادل التجاري بالنقود ونزل تقدم خدماتها للمسافرين ودوابهم وبها أماكن لحفظ أمتعتهم.
وفي صنعاء حتى اليوم الأسواق المتخصصة على غرار أسواق المدن الإسلامية مثل القاهرة ، و دمشق ، و بغداد ، وبيروت ، و إستانبول ، فهناك سوق النحاسين، وسوق الحدادين، وسوق السلاح، وسوق النجارين، وسوق البنائين، وسوق الأقمشة، وسوق العطارين، وسوق القات وملحقاته. والقات نبات مخدر يمضغ مضغا، وهو من المقتنيات اليومية التي يحرص اليمني على اقتنائها وتناولها. وهناك أسواق أخرى عديدة متخصصة باحتياجات اليمني، غير إن الذي يميز أسواق صنعاء واليمن عامة، صناعة الخناجر المعقوفة، التي يضعها اليمني على وسطه، ولا يستغني عنها أي يمني. ولذا فإن هذه الصناعة من أروج الصناعات اليمنية. والأدوات التي في الأسواق، هي أدوات تماثل الأدوات التي استخدمها اليمني ال قديم من خناجر وسيوف وحلي وصحون وسبحات وأدوات زينة ووصفات شعبية طبية.
وشوارع صنعاء تسمى عادة "الحارات"، وتوصل إلى المساجد والأسواق. وقد كان لكل حارة المسجد والبستان والسوق الخاص بها يؤمن للسكان الاحتياجات اليومية من الغذاء والمآكل والخضار والفواكه.
وتزرع في صنعاء فاكهة المنطقة المعتدلة جميعا مثل المشمش والكمثرى والتفاح والسفرجل والأعناب والأعشاب العطرة وقد أقام الترك بها أيضا جميع أنواع الخضر بما في ذلك البطاطس. وأشجار النخيل ليست إلا أشجار زينة في مثل هذا الارتفاع الشاهق ويزرع البن هناك وبخاصة على منحدرات جبل نقم.

المكانة العلمية :


بدأ التعليم في اليمن بعد الإسلام أول ما بدأ في المساجد، وانتقل بعدها إلى الزوايا والكتاتيب وبعض المنازل والأماكن العامة والخاصة. واستمرت هذه المؤسسات والأماكن في أداء دورها إلى أن نشأت المدرسة كمؤسسة متخصصة تقوم بوظائف تربوية واجتماعية وثقافية في العصر الحديث. ولا تزال المؤسسات القديمة تؤدي بعض وظائفها في عهدنا هذا.
وقد استطاعت صنعاء على الرغم من بعدها وتاريخها الحافل بالفتن والقلاقل أن تسهم في الحركة العلمية الإسلامية، وقد اكتسبت صنعاء بعد الإسلام ملامح جديدة فقد دخلها عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسس فيها واحد من أقدم الجوامع الإسلامية هو (الجامع الكبير) تركزت فيه تعاليم الإسلام وازدهرت فيه العلوم.
وقد كان هذا الجامع من الجوامع العامرة بشيوخ الفقه والتلاميذ من العاصمة وخارجها لأن حول الجامع سورا من الغرف المكونة من طابقين أو ثلاثة، وذلك لإيواء الطلاب الوافدين من الأرياف، ولما تواصل التعليم بهذا الجامع، تكاثرت أوقاف الكتب على خزائنه وكان أغلب تلك الكتب تعليمية، ولم تكن تسد حاجة الطلاب فكان الطلاب يشتركون كل اثنين في كتاب يتابعان إملاء الشيخ، وفي عام 1343هـ / 1925 م افتتحت دار العلوم مما خفف التزاحم عن كتب الجامع نتيجة التحاق بعض الطلاب بها.

- المدارس:

أنشئ في عهد العثمانيين العديد من المدارس منها المدرسة السكندرية وبناها إسكندر موز عام 984هـ / 1576 م، ومدرسة العادلية وبناها الوالي مراد باشا وقد خصصت لتدريس الفقه الحنفي وكان إنشاؤها في عام 1005هـ / 1596 م. وفي أواخر القرن التاسع عشر تم بناء العديد من المدارس على أيدي الولاة الأتراك و منها البكيرية ودار المعلمين ومكتب الصنائع والإعدادية والأيتام والبنات ثم المدرسة الرشيدية وقد تم بناؤها من أجل تخريج الموظفين وإعداد الراغبين في الالتحاق بدار المعلمين التي كانت بمثابة البديل عن حلقات الدرس في المساجد وخرجت المدرسة الرشيدية عددا من الكتبة والمحاسبين، كما خرجت دار المعلمين عددا من معلمي المرحلة الابتدائية والمدارس العلمية فيما بعد.
ومن المؤسسات التعليمية ذات الأثر الكبير في الحياة الثقافية والعلمية لدى أهل اليمن (دار العلوم) تلك الدار التي أنشأها الإمام يحيى في صنعاء حيث حول دار الاستراحة التي كانت تخص الوالي التركي في ميدان شرارة -ميدان التحرير حاليا- إلى المدرسة العلمية وافتتحها في حفل حافل عام 1343هـ / 1925 م فأصبحت المدرسة العلمية أول دار علوم تنفق الدولة عليها وتضع المناهج الدراسية الخاصة بها، وقد تحمس لها أغنى المزارعين فوقفوا عليها أعداد من المزارع في كل منطقة، وتشكلت لهذه الأوقاف إدارة تسمت بنظارة (الترب والخوالي) وأضيفت إلى هذه الأوقاف مواريث الذين يموتون ولا وارث لهم.
وقد تشكلت دار العلوم من ثلاثة صفوف، كل صف أربع شعب. إلى جانب شعبة تسمت بـ"الشعبة التحضيرية" أي: التي تعد الطلاب لدخول الشعبة الأولى، وكان طلاب التحضيرية من خريجي ابتدائيات المدن أو كتاتيب الأرياف، فكانت التحضيرية بمثابة المتوسطة، أما الذين يتخرجون من المتوسطة أو الثانوية فيلتحقون بإحدى الشعب على حسب تقدير هيئة الامتحان التي تحدد الشعبة والصف الذي يلحق بها الطالب.
وكان الترقي على حسب امتحان سنوي شفوي، تحضره مجموعة من العلماء المحققين في الفقه واللغة وأصول الدين وعلم البلاغة. إلى جانب أساتذة الدار الذين كانوا يسمون مشايخ فقد كانت دار العلوم تتكون من ثلاثة طوابق تضم اثنتي عشرة شعبة تسمى الشعبة الأخيرة (الغاية).
وكان أغلب الخريجين يتعينون قضاة شرعيين أو مديروا مناطق أو كتاب محاكم. وقل منهم من يتقلد وظيفة حسابية أو جمركية أو كتابة تحرير عند مدير منطقة. ووظيفة كاتب التحرير هو الرد على الشكاوى الشعبية إما بتوقيع المدير أو بتوقيعه إذا كانت المسألة عادية أما المدير فلا يسد مسده أحد في الأوامر الرسمية وفي الصلة بينه وبين المقام الإمامي (مقر الحكم) بشهارة أو صنعاء أو تعز.
وكان البعض يعود مدرسا في نفس الدار إذا سبقت له ممارسة الإعادة بعد الشيوخ أو التدريس في الشعب الأولى أيام طلبه، وكان التخرج من هذه الدار مضمون الوظيفة غالبا، لأن الدولة هي التي أنفقت على الطلاب. وضمنت لهم الكسوة والسكن إلى جانب الطعام وصرف نصف ريال في كل أسبوع مدة سنوات الدراسة. وفي السنة الأخيرة من الدراسة، كان يجري المقام الإمامي مشروع مرتب من عشرة ريالات للذين لم يحصلوا على وظيفة حتى يحصلوا عليها فتنضاف إلى مرتبه أو يحل محله في قبضها خريج آخر لم يصل إلى التوظيف.

أما الوافدون إلى دار العلوم من الجوامع: كجامع صعدة، وحوث، وثلا. والمدرسة الشمسية بذمار وجامع أروى بجبلة أو جامع زبيد فكانوا يلتحقون بالصف الثاني أو الأول على مقدار تحصيلهم في تلك الجوامع التي كانت تشبه "منهج دار العلوم" وبالأخص الفقه واللغة والبيان. وكان سبب التحاق طلاب الجوامع بدار العلوم يرجع إلى دافعين: التوسع والانتظام في الدراسة. أو ضمان الوظيفة التي يفضي إليها التخرج، وكان يحصل البعض على وظائف في منتصف الدراسة أو ثلثيها.
وقد كانت الدولة ملتزمة بتوفير كل كتب المنهج الذي كان يحتوي على ستة دروس في اليوم، لكل درس خمس وأربعون دقيقة وخمس عشرة دقيقة راحة بين الدرس والدرس. وكانت هذه الكتب من مقتنيات مكتبة دار العلوم، توزع في أول العام الدراسي شهر شوال وتعاد في آخر العام الدراسي شهر رجب.
وقد كانت مكتبة الدار تضم إلى جانب الكتب الدراسية مقادير قليلة من الكتب الثقافية، أغلبها تراثية من أمثال: نهج البلاغة، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تاريخ الطبري، مروج الذهب للمسعودي، الأغاني للأصفهاني ، ديوان الحماسة لأبي تمام، الاتفاقيات التي عقدها الإمام يحيى مع الدول.
ومن مطلع الخمسينات إلى ثورة سبتمبر 1962م تكاثرت كتب المكتبة، إذ أمر الإمام أحمد بمصادرة ما كانت تضم مكتبات الدستوريين وضمها إلى مكتبة دار العلوم، فأضيف إلى المكتبة. ديوان شوقي، وديوان البحتري، ونظرات المنفلوطي، وحاضر العالم الإسلامي، وسيرة ابن هشام... وأمثال هذه الكتب.
وبعد الثورة تم تحويل دار العلوم إلى مدرسة الوحدة ثم حملت المدرسة المجاورة لها هذا الاسم فأصبحت دار العلوم الآن سكنا للطلاب الذين لا سكن لهم في المدينة وما تزال كذلك.

العلماء:

لم يزل بصنعاء دوما عالم مجتهد وفقيه أصولي وأديب شاع ر أصيل، ففيها وضع عبيد بن شريه قصصه التاريخية أساس شهرته التي دفعت معاوية ابن أبي سفيان إلى استدعائه إلى بلاطه، كما أن زميله الأصغر وهب بن منبه الذي توفي في صنعاء أشاد به مواطنوه باعتباره حجتهم الأولى في القرآن الكريم.
ومن أعيان علمائها وصاحب القدر العظيم في المعرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الإمام الجليل عبد الرزاق بن همام بن نافع المتوفى في صنعاء عام 211هـ / 827 م. وقد روى عنه جماعة من أعلام وأئمة أهل الحديث المشهورين منهم سفيان بن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وأبو أسامة حماد بن أسامة، والإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه(شيخ البخاري)، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعلي بن المديني، وأحمد بن منصور الرمادي، والشاذكوني.
كما تعرف صنعاء بأنها البلد الذي ولد به وتوفي العالم الموسوعي الحسن بن أحمد الهمداني . ومن الشعراء علقمة ذي جدن ووضاح اليمن وعبد الخالق ابن أبي الطلح الشهابي وغيرهم.


الموصل



تقع شمال العراق على بعد 396 كيلومتر شمال العاصمة بغداد. وهي مدينة تاريخية قديمة قامت على أنقاض مدينة نينوى الأشورية. وهي أكبر مدن الشمال العراقي، وثالث أكبر مدن العراق. ويقطن الموصل سكان من أصول عربية، أما خارجها فيسكن الأكراد.وقد سميت الموصل بالحدباء وكما نسبه ياقوت الحموي الى احتداب في دجلتها واعوجاج في جريانه . الا ان الرحالة الشهير ابن بطوطة يعزوه الى قلعتها الحدباء . ويقول صاحب منهل الاولياء عن سبب تسميتها بالحدباء . لانحداب أرضها لان البيوت والمحال فيها لم تقع على مستوى من أرضها بل بعضها نشز وقلاع ، وبعضها في واد منخفض .
ويعود تاريخها إلى عام 1080 قبل الميلاد عندما اتخذ الآشوريون مدينة نينوى عاصمة لهم وحصنوها فأقاموا حولها القلاع، ومنها القلعة التي كانت في الجهة الغربية من دجلة تقابل مدينة نينوى، وتقع هذه القلعة فوق "تل قليعات" الذي يشرف على السهول الغربية المقابلة لمدينة نينوى، كما يشرف على السهول التي بين نينوى والموصل.
كانت هذه القلعة -الحصن- النواة لمدينة الموصل، فإن مناعة الموقع، وخصب السهول المجاورة لها، وقربها من دجلة، ووجود حامية في الحصن، ووقوعها على طريق رئيسية تصل بين طرفي الهلال الخصيب كل هذا شوق الناس على أن يسكنوا حول هذا الحصن المذكور، وأخذت البيوت تزداد على مر السنين.
وفي سنة 612 قبل الميلاد سقطت مدينة نينوى فدمرها الأعداء وقتلوا أهلها، ولم ينج من سكانها إلا القليل، ولا شك أن التخريب والقتل أصاب الحصن الغربي ومن حوله.
وبعد أن هدأت الأحوال واستتب الأمن في البلاد، تراجع بعض السكان الذين سلموا من سيوف الأعداء إلى نينوى، وأسسوا لهم حصنا على"تل توبة" في نينوى، كما أن قسما منهم رجعوا إلى الحصن الغربي فرمموه وسكنوا فيه. فصار قرب دجلة حصنان أحدهما" الحصن الشرقي" وهو الذي فوق "تل التوبة" يقابله في الجهة الغربية من دجلة " الحصن الغربي" الذي فوق "تل قليعات".

وفي القرن الرابع قبل الميلاد ازدادت العمارة حول الحصن الغربي وصار قرية لها شأن يذكر وقد كان يطلق عليها مسبلا وقد أصبح لها شأن بعد سقوط نينوى لموقعها المهم الذي يصل بين عدة أقطار، وهذا الموقع نفسه سبب للمدينة ويلات ومصائب عديدة، فقد كانت ساحة للحروب التي استعرت نيرانها بين المتنازعين على الحكم، فكانت الجيوش تكتسحه فتدمر ما به.

وفي عهد كسرى الأول أنوشروان 521 / 579 م كانت الحرب سجالا بين الروم والفرس فأغار الروم وخربوا الموصل، وفي عهد كسرى أبرويز بن هرمز 579 / 590 م اهتم بتعزيز موقع الموصل. فبنى فيها عدة دور وحصنه ا، وأتى ببعض الفرس وأسكنهم فيها فتوسعت المدينة وكانت من معاقل الفرس القوية التي تصد زحف الروم عنها.
وقد لاقت الموصل اهتماما كبيرا من أردشير وسميت باسمه "نيو أردشير " أي أردشير الجديدة وأما الكتبة الآراميون فكانوا يسمونها "حصن عبورايا" أي الحصن الغربي، أما العرب فقد كانوا يسمونها "خولان" كما كانوا يطلقون عليها الحصنين.

وقد تم الفتح الإسلامي للموصل في عام 16هـ / 637 م والقبائل التي اشتركت في الفتح هي (تغلب وأياد والنمر) بقيادة ربعى بن الأفكل العنزي. وقد كانت هذه القبائل منتشرة بين تكريت والموصل ، وقد سكن قسم من هذه القبائل الموصل بعد الفتح، والقسم الكبير منها استمر في الزحف على البلاد المجاورة وخاصة أذربيجان وأرمينيا.
وفي عام 17هـ / 638 م عين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عتبة بن فرقد السلمي واليا على الموصل وهو الذي بنى المسجد الجامع، وإلى جانبه دار الإمارة، وكان بها أحد الأجناد الستة التي جندها الفاروق وجعلها تابعة للكوفة.

وفي خلافة عثمان بن عفان كثرت هجرة القبائل العربية إليها خاصة بعد أن توطدت الأمور واستقرت الفتوحات، وأخذ العرب يقطنون البلاد المفتوحة ويتخذونها مقاما لهم. وأول من نزلها من القبائل هي الأزد وطى وكندة وعبد قيس. ونزل منها أربعة آلاف، وأمر عليهم الخليفة عثمان بن عفان "عرفجة بن هرثمة البارقي" وسعى البارقي في توسيع الموصل وتعميرها فاختط منازل العرب فيها، ووسع الجامع الذي كان قد بناه عتبة بن فرقد السلمي.
وفي عهد الخليفة علي ابن أبي طالب رضي الله عنه زادت الهجرة إلى الموصل، فهاجرت القبائل العربية من الكوفة و البصرة ، وهكذا توسعت الموصل واتخذها العرب دار إقامة لهم.

وانقضى عهد الراشدين، والموصل في توسع دائم حتى صارت من أمهات أمصار الجزيرة وبلغ خراجها في خلافة معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه أربعة ملايين درهم. واهتم الأمويون بالموصل كثيرا نظرا لأهميتها الحربية والتجارية فكانوا يولون عليها أقدر الولاة وأحزمهم، وكثيرا ما كانوا يولون عليها من ثبت عندهم حبه للإصلاح والعمران. وقد سكن الموصل من الخلفاء الأمويين هشام بن عبد الملك، وذلك قبل أن يولى الخلافة، فبنى له قصرا في ربطها الأسفل، وزرع النخيل والأثمار حوله، وبقي القصر إلى سقوط الدولة العباسية، فأقطعه أبو جعفر المنصور السحاج بن وائل الأزدي الذي ساعدهم على الأمويين.

وقد توالى على الموصل عدد من الولاة زادوا في خطتها، فقد أحاط سعيد بن عبد الملك الموصل بسور ورصف طرقها بالحجارة، وبنى بها مسجدا عرف بـ"مسجد عبيدة" نسبة إلى مؤذنه، كما بنى فيها سوق سعيد. ثم ولى عبد الملك أخاه محمد بن مروان الموصل، فجدد سور الموصل، وربما أكمل السور الذي بناه ابن أخيه سعيد، أو أنه وسعه في الأماكن التي توسعت إليها المدينة.
وفي عام 106-113هـ / 724 -731م تولى الموصل الحر بن يوسف الأموي الذي وجد نهر دجلة بعيدا عن المدينة، وأن السكان يلاقون عناء ومشقة في نقل الماء، فشق نهرا من قرب دير مار ميخائيل، وسيره محاذيا للتلال التي تطل على حاوي الكنيسة، وأجراه تحت المدينة في مجرى دجلة الحالي، بدأ بهذا العمل عام 108هـ / 726 م واستمر به العمل إلى عام 115هـ / 733 م فأتم فتحه الوليد ابن تليد العبسي وأراح الناس وعرف بـ"نهر الحر"، ورصفوا شارعا محاذيا لمجراه، وغرسوا على جانبيه الأشجار، فكان أهل المدينة يتنزهون به في الأمسيات، وبنى الحر قصره المعروف بالمنقوشة. وكان من القصور المشهورة، بناه عام 106هـ / 724 م، وهو قصر منقوش بالساج والرخام الأبيض المصقول والفصوص الملونة والفسافس. وكان من أجمل القصور في زمانه، وبقي القصر إلى القرن السابع الهجري.
ثم تولاها مروان بن محمد مرتين (إحداهما 102- 104هـ / 720 - 722م والثانية 126- 127هـ / 743 - 744م. وكان أول من عظم الموصل وألحقها بالأمصار العظام، وجعل لها ديوانا يرأسه، ونصب عليها جسرا، ونصب طرقاتها وبنى عليها سورا، وهدم المسجد الجامع ووسعه وبنى له منارة، وأحاطه بأسواق، فكانت أسواق الموصل الرئيسية حوله. وعلى هذا فقد صارت الموصل قاعدة بلاد الجزيرة بعد أن كانت مدينة تابعة للكوفة.

وفي العصر العباسي الأول نكبت الموصل على أثر ثورة أهلها على محمد بن صول سنة 133هـ / 750 م وفتك بها العباسيون فتكا ذريعا، حتى أن أسواقها بقيت معطلة عدة سنين، وكان هذا على يد يحيى بن محمد أخي السفاح.
وفي عام 133هـ / 750 م ولى المنصور عليها عمه إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس، ولما دخل البلد وجدها بحالة يرثى لها، فجمع الناس وخطبهم ووعدهم بحسن السيرة فيهم بأن يرد عليهم المظالم، ويعطيهم ديات من قتلهم يحيى، وكتب إلى المنصور يعلمه بسوء حال البلد وخراب ه. فكتب إليه المنصور أن أرفق بالناس وتألفهم. فأخذت المدينة تستعيد مركزها الاقتصادي حتى بلغت جبايتها في خلافة هارون الرشيد (24.000.000) درهم و(20.000) رطل عسل. مع العلم بأن المهدي كان قد خزل منها كورة دراباذ وكورة الصامغان. ومع أن المعتصم خزل منها أيضا كورة تكريت وكورة الطيرهان فإنه بلغ ما كان يجبى منها ومن أعمالها في خلافته ( 6.300.000 ) دينار كان هذا في الربع الأول من القرن الثالث الهجري.

وفي أواخر القرن الثالث للهجرة / التاسع الميلادي ملكها بنو حمدان فاهتموا بالزراعة كثيرا، فغرسوا فيها الأشجار، وكثرت الكروم وغرست الفواكه، وغرست النخيل والخضر، وكانوا يعنون بزراعة القطن والأرز والحبوب. وبلغ خراج الحنطة والشعير فيها خمسة ملايين درهم.
وخلف العقيليون الحمدانيين في حكم الموصل سنة 368- 486هـ / 979 - 1093م وخلال مدة حكمهم تنازعوا فيها على الحكم وسبب هذا تأخر المدينة عما كانت عليه. ثم انتزع السلاجقة منهم البلاد، وزادت الاضطرابات والحروب بين أمرائهم على الحكم ولاقت المدينة ويلات كثيرة ومصائب، فتأخرت فيها التجارة وقلت المزروعات وهجر قسم كبير من سكان الموصل مدينتهم، وهكذا تقلصت عما كانت عليه، حتى استولى الخراب على أكثر أحيائها.
وفي رمضان من عام 521هـ / 1127 م تسلم عماد الدين زنكي الموصل وبدأ بذلك العهد الأتابكي لحكم الموصل- ولما تسلم عماد الدين الموصل أقام بها يقرر أمرها ويصلح قواعدها وكانت الموصل هي المركز بالنسبة إليه فانطلق منها ليوسع دولته خاصة بعد أن وجد البلاد مقسمة بين الأمراء وكل واحد منهم قد استأثر بولايته لا يهمهم من أمر البلاد سوى جمع ما يقدر على جمعه من أي طريق كان، كما استفحل خطر الصليبيين واحتلوا أكثر البلاد السورية ووصلوا إلى أسوار حلب فحشد عماد الدين جيوشه وبدأ بأمراء الأطراف ثم سار إلى حلب فاستبشر به أهلها خاصة لما كانوا يقاسونه من النزاع بين الأمراء فضلا عما يصيبهم من مضايقة الصليبيين لهم حتى كانوا يقاسمونهم في بعض محاصيلهم، ثم توجه إلى حماة فاستولى عليها عام 524هـ / 1130 م، ثم التفت إلى ما جاوره من حصون النصارى فهاجمهم ودخل معهم في معارك كبيرة كان فيها مؤيدا من الله بالنصر العظيم عليهم فهابه النصارى، وأصبح أعظم قائد في الهلال الخصيب، وصار ملكه يمتد من شهرزور شرقا، إلى قرب سواحل سورية غ ربا ومن آمد وديار بكر وجبال الأكراد الهكارية والحميدية شمالا إلى الحديثة جنوبا.
وفي عهد العثمانيين كانت الموصل إحدى الولايات التابعة للخلافة العثمانية وقد تمكنت في حكمها المحلي والإقليمي الأسرة الجليلية 1136- 1249هـ / 1724 - 1834م التي تنتمي إلى مؤسسها عبد الجليل.

وكان من أبرز أبناء الأسرة الجليلية الوزير محمد أمين باشا الذي منح لقب "الغازي" نظرا لاشتراكه في الحرب العثمانية - الروسية عام 1184هـ / 1770 م كسردار للجيوش العثمانية، وقد أسر من قبل الروس، وفك أسره بعد حوالي خمس سنوات، فقابل السلطان عبد الحميد الأول 1180- 1203هـ / 1774 - 1789م الذي وكل إليه مهمة تعديل نظام بلاد الشرق والعراق وولاه العراق ولكنه توفي سنة 1181هـ / 1775 م، قبيل الشروع بمهمته الكبرى.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقعت الموصل تحت الاحتلال الفرنسي وظلت كذلك تحت الحكم الفرنسي حتى نالت العراق الاستقلال، وهي الآن مدينة من أهم المدن العراقية التي تحظى بمكانة عالية.

بعض المعالم الاثارية:

- جامع النبي يونس : يقع في الجهة الشمالية الشرقية من نهر دجلة فوق تل النبي يونس حيث ذكر بان الزهاد والنساك كانوا ياوون اليه ،وقد عرف ايضا باسم مسجد التوبة وقد عثر عام 767هـ على قبر النبي يونس لذا سمي بجامع النبي يونس .

- الجامع النوري(الكبير) : يقع وسط مدينة الموصل وقد انشا عام 566-568 ابرز اثر باق في الجامع منارته التي تبلغ ارتفاعها من 52-54م ،نظراً لعظم الميل الحاصل بها قدمت عدة دراسات لاجراء ترميمات عليها .

- الجامع الاموي : يقع في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة الموصل القديمة بني في عهد عمر بن الخطاب عام 16هـ –637م .ولم يبقى من اثاره المهمة سوى صدر المحراب والعقد الذي يعلوه الذي ثبت بالجامع النوري .

- جامع النبي شيت : استظهر قبر النبي شيت عام 1057 هـ ثم تم بناء مرقد للنبي شيت ثم عمر بجانب المرقد جامع للصلاة سمي جامع النبي شيت عام 1206 وفيه غرفة مثمنة للدراسة لاتزال الى يومنا هذا.
- مزار الامام عون الدين (ابن الحسن) : يقع جنوب شرق الموصل .


- تل النبي يونس : يقع داخل مدينة الموصل الأثرية ويضم قصر اسرحدون وقصر سنحاريب ويعتبر من اثمن ما بقى من مدينة نينوى حيث لم تمتد اليه ايد العبث والتخريب ويسمى ايضاً (تل التوبة ).
- تل قوينجق: استكشفه العالم الاثري ب.أ بوتا 1842م-1851م حيث اماط اللثام عن قصر اشور بانيبال ومكتبته العظيمة .
- تل الرماح: يقع غربي الموصل 80كم ، يشتهر بزقورة بجوار معبد منتظم الشكل يرجع الى 1800ق.م .
- سور الموصل : يبلغ محيط السور 12كم ،مستطيل الشكل مبني بالحلان الاسمر فيه ابراج حجرية وله عدد من البوابات منها (العمادي ،الجصاصين الميدان،كندة،السر،العراق، لكش،القصابين،المشرعة،الجس ر،القلعة)وينتهي السور من الاعلى بشرفات وتليها ابراج من اللبن مرتفعة تشكل الخط الدفاعي الثاني .
- قلعة باشطابيا: يرجع تاريخها الى القرن السادس الهجري ولعبت دوراً في حصار الموصل عام 1156هـ ولها بابان احدهما يؤدي الى النهر ويسمى (باب السر) والاخر يؤدي الى الميدان الذي امامها ويسمى (باب القلعة)،وباشطابيا تعني (القلعة الكبير

الأسواق الشعبية :

- سوق الشعارين : ويمتد هذا السوق من جامع النبي جرجيس الى التقائه بشارع نينوى ،وقد بقي هذا الاسم ملازماً للشارع حتى الان .

- سوق الاربعاء:موقعه يبدا من بداية باب الجسر الحديدي الى ان يلتقي بسوق الشعاريين .


- ومن أسواقها الكبيرة داخل المدينة :

"جهار سوك" وهو يقع في وسط المدينة أيضا في المحلة التي لم تزل تسمى باسمه. ولقد ظل هذا السوق إلى عهد قريب. ثم هدمت أكثر دكاكينه، وأضيفت أرضها إلى شارع الفاروق.

وقد كانت أسواق الموصل ملتقى تجارة الشرق والغرب حيث كانت تصلها القوافل التجارية من العراق محملة ببضائع الهند، وتصلها قوافل إيران ومعها بضائع الصين وفارس، وتحط بها قوافل أذربيجان وترسو فيها مئات الفلك المحملة بحاصلات جزيرة ابن عمر وما يجاورها من بلاد الأناضول. ومن الموصل تخرج القوافل العديدة إلى بلاد سورية محملة ببضائع الشرق وحاصلاته، وتسير إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.

- برج المزاول العمودية العربية :

موجودة في ساحة الاحرار (الطبقجلي)سابقا وتتالف من ثلاث مزاول العمودية الشرقية و العمودية الجنوبية و العمودية الغربية ارتفاعها اكثر من سبعة امتار وتكون هذه المزاول مواجهة للشمس منذ شروق الشمس وحتى غروبها .

- غابة الحدباء النموذجية :

تقع هذه الغابة طرف مدينة الموصل الشمالي مجاور نهر دجلة ،مساحتها كبيرة جدا وفيها مختلف اصناف الاشجار حيث يبلغ عددها (25الف شجرة) وفيها يقيم المخيم الكشفي الدائم لمدينة الموصل.

- تمثال ابي تمام:

يقع في ساحة الحرية بالقرب من نهاية جسر الحرية في الجانب الايمن لمدينة الموصل ،وهو حبيب بن اوس الطائي من المع الشعراء الذين عرفهم الادب العربي ولد في قرية جاسم عام 188هـ – 804م قدم الى مصر وهو شاب ،فأقام بها خمس سنوات ،القى من خلالها الادب والشعر على شعرائها وادبائها ثم عاد الى دمشق وقد قويت ملكته الشعرية ومنها انتقل الى حمص.

متنزه الشلالات:

يقع هذا المتنزه على طريق الموصل –الشيخان الرئيسي يبعد عن مركز المحافظة بنحو(10كم) والموقع في الاصل اقيم في مكان السد الاثري الذي انشاءه الملك الاشوري سنحاريب (705-861ق.م) واثاره باقية حتى الان في موقع الشلالات ،وهو واحد من عدد كبير من السدود التي كانت تشكل مشروعا اروائيا متكاملا .

- تمثال الملا عثمان الموصلي:

ولد في الموصل عام 1271هـ –1854م وهو عثمان بن عبد الله بن فتحي بن عليوي المنسوب الى بيت الطحان الموصلي المولوي كان قاريْ مشهور عالما بفنون الموسيقى ، شاعر حسن الشعر كف بصره وهو صغير ثم انتقل الى بغداد وزار بعدها دمشق ثم رحل الى القسطنطينية ثم مصر وبعد مدة سافر الى الحجاز لاداء فريضة الحج عاد بعدها الى بغداد وبقي في بغداد الى ان توفي .


المكانة العلمية :

تميزت الموصل منذ إنشائها بمكانة علمية عالية فقد انتشرت بها المدارس والمكتبات العامة، كما استوطن بها كثير من العلماء وإليها نسبوا.

أولا المدارس:

لقد كان في الموصل العديد من المدارس التي كان لها دور كبير في ازدهار الحركة العلمية فيها. ومن هذه المدارس المدرسة النظامية التي بناها نظام الملك الوزير المشهور في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي على غرار التي بنيت في بغداد . وقد درس فيها من العلماء أبو حامد الشهرزوري، وأبو العباس الأنباري المعروف بالشمس الدنبلي. ومن الآثار الباقية لهذه المدرسة محراب نفيس من المرمر الأزرق المطعم بمرمر أبيض وحول المحراب مكتوب بخط كوفي البسملة وآيات من القرآن الكريم.
وكان هناك المدرسة الأتابكية العتيقة التي بناها سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر في منصف القرن السادس الهجري. وقد جعلها وقفا على الفقهاء الشافعية والحنفية نصفين. ووقف عليها الوقوف الكثيرة، وبعد موته دفن بمدرسته هذه. وممن درس فيها أبو البركات عبد الله بن الحسين المعروف بابن الشيرجي الذي درس على ابن شداد العالم المشهور.
وكذلك المدرسة الكمالية التي بناها زين الدين أبو الحسن علي بن بكتكين في القرن السادس الهجري. وبناية المدرسة في الوقت الحاضر تسمى جامع شيخ الشط وهي تتألف من غرفة كبيرة مثمنة الشكل فوقها قبة تستند إلى مقرنصات وهي على ما يظهر كانت مزينة بزخارف جبسية من الداخل وزخارف وكتابات آجرية من الخارج. ولم يزل بعض هذه الزخارف باقيا إلى اليوم. وقبة المدرسة مبنية من الآجر وهي بحالة يمكن صيانتها والمحافظة عليها. وفي عام 1219هـ / 1804 م رمم القبة وجدد بابها وبنى أروقة أمامها أحمد باشا بن بكر أفندي الموصلي، وأقام منبرا داخل المدرسة واتخذها جامعا كان يعرف بجامع الشهوان لأنه يقع في المحلة التي تسكنها قبيلة الشهوان. وفناء المدرسة واسع، كما أن عددا من الدور التي تحيط بالمدرسة مبنية على أرض فناء المدرسة نفسها فهي عرصات وقفية .
وهناك مدرسة الجامع النوري التي بناها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي. وهي عبارة عن مدرسة وجامع في نفس الوقت إذ رأى نور الدين إنه من المفيد أن يجمع بين الدين والعلم في نفس المبنى. وفي الجامع النوري خزانة كتب كانت في المدرسة وهي الكتب التي أوقفها السيد محمد بن الملا جرجيس القادري النوري الذي سعى في ترميم الجامع واتخذ له فيه تكية عام 1281هـ / 1864 م. وكذلك بعض الكتب الأخرى أوقفتها عائشة خاتون بنت أحمد باشا الجليلي. ولم يكن التدريس مستمرا في المدرسة فقد تعطل بها بعد العهد الأتابكي، ثم درس بها في فترات متباينة. ولم يبق لها أثر في الوقت الحاضر.

ثانيا المكتبات:

انتشرت بالموصل عدد من المكتبات العامة كان من أشهرها المكتبة التي أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي السحام في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع الهجري، وتعتبر هذه المكتبة هي أول مكتبة عامة توقف لهذا الغرض وحده. وكانت تحتوي على كتب في جميع فروع المعرفة البشرية، كما كانت وقفا على كل طالب علم لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب العلم وكان معسرا قدم له المال والورق وكانت المكتبة تفتح كل يوم وكان هناك مكانا لمبيت الغرباء المحتاجين.

ثالثا العلماء:

ينتسب للموصل عدد كبير من العلماء وكان فيها جماعة من المؤرخين من أهل الموصل أو من الذين نزحوا إليها واتخذوها دار إقامة لهم وكتبوا عنها. ومن أشهر من ينتسبون إلى الموصل ابن شداد الموصلي صاحب كتاب تاريخ حلب وهو من علماء عصره المعدودين، كان إماما في الدنيا والدين وكان يشبه القاضي أبا يوسف في عصره، وأيضا المبارك بن الشعار الموصلي صاحب كتاب عقود الجمان ، وأبو الحسن الهروي الرحالة الشهير وله كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات .
كما اشتهر منها من علماء الدين الفخر الموصلي وكان بصيرا بعلل القراءات وله كتاب في مخارج الحروف ، وأبو عبد الله محمد بن الحنبلي الموصلي المعروف بشعلة كان شيخ القراء في الموصل ، متضلعا بالعربية والنظم والنحو وله كتاب كنز المعاني في حرز الأماني .
واشتهر من المحدثين أبو زكريا يحيى بن سالم بن مفلح البغدادي الموصلي الحنبلي. حدث بالموصل وتوفي بها ودفن بمقبرة الجامع العتيق.
والحافظ زين الدين عمر بن س عيد الحنفي الموصلي له كتاب المغني في علم الحديث رتبه على الأبواب وحذف الأسانيد. ومن فقهاء الحنابلة أبو المحاسن المجمعي الموصلي الحنبلي جمع كتابا اشتمل على طبقات الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد. كما اشتهر من فقهاء الحنفية أولاد بلدجي.
واشتهر بها من الأطباء أبو الحسن علي ابن أبي الفتح بن يحيى كمال الدين الكباري الموصلي عاش ما يقارب مائة سنة. وكان من أطباء زمانه. والمهذب علي بن أحمد بن مقيل الموصلي وكان أعلم أهل زمانه بالطب له تصنيف حسن.
ومن الأعلام الذين سكنوا الموصل وكتبوا عنها وعن رجالها ابن المستوفي الأربلي، وياقوت الحموي الرومي، و عبد اللطيف البغدادي ، والسمعاني صاحب الأنساب . والعز ابن عبد السلام وله كتاب الفتاوى الموصلية . وابن الصلاح الشرخاني الشهرزوري الملقب تقي الدين، كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث واللغة وله مشاركة في فنون كثيرة وهو من فقهاء الشافعية في عصره.


تم والحمد الله نقل الكتاب
المصدر
=====
كتاب مدن لها تاريخ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 12 )
رقم العضوية : 166
تاريخ التسجيل : Jul 2003
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 18,959
عدد النقاط : 16

همسـ(حب)ـــة غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 04-01-2008 - 09:39 PM ]




وجهد تشكر عليه يامبدع

سلمت يداك

تحيتي لك


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 13 )
دلوعة بابا
مرشح
رقم العضوية : 2697
تاريخ التسجيل : Oct 2005
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,463
عدد النقاط : 10

نجمة البحر غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 15-02-2008 - 02:57 PM ]


سلمت يداك


توقيع :


شوفوا بعض من خرابيشي !!
شوفو بعض اعمالي !!

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 14 )
مرشح
رقم العضوية : 9711
تاريخ التسجيل : Jul 2008
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 97
عدد النقاط : 10

d.r.salima غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 16-07-2008 - 12:17 AM ]


ya rit taktab an tariks aljzir aydan bi alarabi li ani ana mani shatra bi alarabi


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 15 )
مرشح
رقم العضوية : 7906
تاريخ التسجيل : Nov 2007
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 333
عدد النقاط : 10

ميناء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 13-10-2008 - 01:29 PM ]



توقيع :



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 16 )
رقم العضوية : 14619
تاريخ التسجيل : Nov 2008
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 163
عدد النقاط : 10

نادر نظمى مصطفى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 16-11-2008 - 03:21 PM ]


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


جهد تشكر عليه


سلمت يداك


تحيتي لك


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 17 )
مرشح
رقم العضوية : 17371
تاريخ التسجيل : Dec 2008
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 14
عدد النقاط : 10

مفهيه بقوه غير متواجد حالياً

000950 رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 17-12-2008 - 11:22 AM ]


الي يبي يصير مشرف

يدخل هنا

]

اخي مفهية نامل عدم وضع روابط دعائية للمواقع الى بعد مراجعة الادارة

بعد التحية ولاحترام يمنع وضع روابط وسوف يتم حذف الرابط بعد اذنك

http://www.almfhii.201mb.com/vb/



التعديل الأخير تم بواسطة مفهيه بقوه ; 17-12-2008 الساعة 03:30 PM

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 18 )
مرشح
رقم العضوية : 19899
تاريخ التسجيل : Feb 2009
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 213
عدد النقاط : 10

alknany غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 06-02-2009 - 04:52 PM ]


موضوع رووووووووعة بارك الله فيك


توقيع :

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 19 )
رقم العضوية : 21298
تاريخ التسجيل : Apr 2009
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2
عدد النقاط : 10

osan غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 24-04-2009 - 06:01 PM ]


خووووووووووش موضوع


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 20 )
رقم العضوية : 7641
تاريخ التسجيل : Aug 2007
الجنس :
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 433
عدد النقاط : 10

سندريلا غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مدن لها تاريخ

كُتب : [ 19-07-2009 - 01:05 PM ]


جزاك الله خيرا على هذا المجهود


توقيع :



سندريلا

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:02 AM